في السنوات الأخيرة، انتشرت ظاهرة التخلص العشوائي من بواقي زيت الطعام في المنازل والمطاعم بشكل لافت، لتتحول إلى قضية بيئية وصحية واقتصادية، فبين من يسكب الزيت في الأحواض، ومن يبيعه لتجار يجمعونه ويعيدون تكريره داخل مصانع غير مرخصة، أصبحت بواقي الزيت مصدر تلوث وتجارة غير مشروعة في آن واحد.
وكشف مسؤول بوزارة البيئة، إن التخلص من الزيت في الأحواض من أكثر السلوكيات خطورة على البيئة، موضحًا أن الزيت يتصلب داخل المواسير فيسدها، ويؤدي إلى تلف شبكات الصرف وتسرب الملوثات إلى المياه الجوفية.
وأشار في تصريحات صحفية لموقع «المحروسة» إلى أن اللتر الواحد من الزيت المستخدم قادر على تلويث نحو مليون لتر من المياه، وهو رقم يعكس حجم الضرر الناتج عن هذه الممارسة اليومية في المنازل والمطاعم.
مصانع غير مرخصة تعيد التكرير
ومن جهه أخرى كشف مصدر بالغرفة الصناعية للمنتجات الغذائيةأنه بوراء الستار، تنشط مصانع صغيرة وغير مرخصة في إعادة تكرير الزيوت المستعملة بطرق بدائية، لبيعها من جديد في الأسواق كزيت طعام أو لاستخدامها في صناعة السمن والصابون منخفض الجودة.
وأضاف المصدر أن بعض هذه المصانع تعمل بعيدًا عن الرقابة، وتستخدم مواد كيميائية لإزالة اللون والرائحة، لكنها لا تزيل السموم المتكونة داخل الزيت، مما يجعله خطرًا مباشرًا على صحة المستهلك.
وأكد أن الوزارة تعمل حاليًا على حصر تلك الورش والمصانع غير المرخصة وإغلاقها، بالتنسيق مع وزارتي التموين والصحة.
خطر صحي لا يُستهان به
ومن ناحية آخرى حذر الدكتور أحمد عبدالعال، استشاري التغذية العلاجية، من استخدام الزيوت المعاد تكريرها قائلاً: “الزيت المستعمل يحتوي على مركبات مسرطنة ودهون مؤكسدة، ومع كل مرة يُعاد فيها تسخينه أو تكريره تتضاعف خطورته على الكبد والمعدة والقلب”.
وأضاف أن أعراض التسمم المزمن الناتجة عن تناول هذه الزيوت لا تظهر سريعًا، لكنها تؤدي مع الوقت إلى أمراض خطيرة يصعب علاجها.
تقدر بعض الجهات الصناعية حجم تجارة بواقي الزيوت في السوق السوداء بملايين الجنيهات سنويًا، نتيجة غياب منظومة رسمية لجمعها وإعادة تدويرها بشكل آمن.
وقال أحد تجار الزيوت المستعملة إنهم يشترون اللتر من المطاعم بأسعار تبدأ من 10 جنيهات، ثم يبيعونه لمصانع الصابون أو التكرير، مشيرًا إلى أن الطلب في تزايد مستمر مع ارتفاع أسعار الزيوت الخام.
الجانب الاقتصادي الإيجابي.. فرصة ضائعة
ورغم المخاطر البيئية والصحية، يرى خبراء الاقتصاد أن بواقي الزيت تمثل كنزًا مهدورًا يمكن تحويله إلى مصدر دخل قومي إذا تم تنظيم جمعه وتدويره بشكل رسمي.
ومصر يمكنها الاستفادة من الزيوت المستعملة في إنتاج الوقود الحيوي (البيوديزل) الذي يُستخدم في تشغيل السيارات والمصانع، بجانب أن كل طن من الزيت المستعمل يمكن أن ينتج ما يقرب من 900 لتر من الوقود النظيف.
إنشاء منظومة رسمية لتجميع الزيوت من المنازل والمطاعم، وتخصيص مصانع مرخصة لإعادة تدويرها، يمكن أن يخلق آلاف فرص العمل الجديدة، ويقلل من واردات الطاقة والزيوت، ويحسن الوضع البيئي بشكل ملموس.
مبادرات محدودة وحلول ممكنة
في المقابل، بدأت بعض الشركات البيئية الصغيرة في إطلاق مبادرات لجمع الزيوت المستعملة من المنازل مقابل حافز رمزي، لإعادة استخدامها في إنتاج الوقود الحيوي.
والوزارة تعمل على إعداد مشروع قومي لإعادة تدوير زيوت الطعام بالشراكة مع القطاع الخاص، بهدف تحويلها إلى طاقة نظيفة وتحقيق استفادة اقتصادية حقيقية.
انتشار ظاهرة بواقي زيت الطعام كشف عن جانب مظلم في إدارة المخلفات المنزلية، وعن غياب منظومة متكاملة تنظم عملية الجمع والتدوير.
ما بين مصانع تكرير غير مرخصة، وتجار يستغلون غياب الرقابة، ومواطنين يفتقرون للوعي البيئي، تبقى بواقي الزيت ملفًا مفتوحًا يحتاج إلى تشريعات واضحة وتعاون مجتمعي جاد.
فالزيت الذي يبدأ رحلته في المطبخ، قد ينتهي ملوثًا للمياه أو يعود إلى أطباق الناس في صورة خطر صامت، بينما يمكن أن يتحول، إذا أُحسن استغلاله، إلى وقود نظيف ينعش الاقتصاد ويحمي البيئة.