التراوح بين السعار والصراع النووي لم يعد مجرد توصيف أدبي لحالة عالمية مضطربة، بل أصبح واقعًا سياسيًا وعسكريًا يهدد الشرق الأوسط على نحو غير مسبوق. فالمنطقة تقف اليوم فوق فوهة بركان؛ تتشابك فيها مشاريع الهيمنة، وتتصارع فيها الإرادات الدولية والإقليمية، بينما تتصاعد لغة القوة إلى حد الجنون.
لم تعد الحروب التقليدية كافية لتحقيق الردع أو فرض النفوذ، بل أصبح التلويح النووي جزءًا من الخطاب السياسي والعسكري، وكأن البشرية تعود طواعية إلى أكثر لحظاتها ظلامًا وخطرًا.
في الشرق الأوسط، تتضاعف خطورة المشهد بسبب هشاشة التوازنات وكثرة اللاعبين المسلحين وتضارب المصالح الدولية، فإسرائيل تواصل ترسيخ تفوقها العسكري والاستراتيجي مستندة إلى غموض نووي مقصود، بينما تسعى إيران إلى تثبيت نفوذها الإقليمي عبر مشروع نووي يثير قلق العالم ويشعل سباقًا خفيًا نحو التسلح.
وهو ما كان مدعاة لشن عمليات عسكرية مدمرة، على العمق الإيراني من قبل إسرامريكا، امتدت لضرب القدرات النووية الإيرانية، واستطالت إلى اغتيال المرشد، وكبار القادة العسكريين، والعلماء المشتغلين بالبرنامج النووي.
وبين هذا وذاك، تتحول المنطقة إلى ساحة مفتوحة للتهديدات والرسائل النارية، حيث يمكن لخطأ سياسي أو حساب عسكري خاطئ أن يشعل مواجهة لا يمكن السيطرة عليها.
والأخطر من ذلك أن القوى الكبرى تتعامل مع الشرق الأوسط باعتباره ميدانًا لتصفية الحسابات الدولية، فالولايات المتحدة وروسيا والصين لا تنظر إلى المنطقة فقط كمصدر للطاقة أو سوق للسلاح، بل كرقعة شطرنج تحدد موازين القوة العالمية.
وهنا يصبح الإنسان العربي هو الضحية الدائمة؛ يدفع ثمن الصفقات والتحالفات والحروب بالدم والفقر والانهيار الاقتصادي، بينما تتحدث العواصم الكبرى عن “الاستقرار” وهي في الحقيقة تدير الفوضى بما يخدم مصالحها.
أما مصر، فتقف في قلب هذا الإعصار بحسابات مختلفة وأكثر تعقيدًا، فالقاهرة تدرك أن الانزلاق نحو صراع نووي أو حتى حرب إقليمية واسعة لن يهدد الأمن القومي فقط، بل سيهدد فكرة الدولة الوطنية ذاتها في المنطقة.
ولهذا تبنت مصر تاريخيًا موقفًا يقوم على رفض الانتشار النووي، مع المطالبة في الوقت نفسه بإخلاء الشرق الأوسط بالكامل من أسلحة الدمار الشامل، هذا الموقف ليس مجرد خطاب دبلوماسي، بل انعكاس لرؤية استراتيجية تعتبر أن الأمن الحقيقي لا يُبنى بالقنابل النووية، وإنما بالتوازن العادل والتنمية والاستقرار.
لكن الموقف المصري يواجه تحديات ضخمة؛ فالقاهرة مطالبة بالحفاظ على توازن دقيق بين حماية أمنها القومي وعدم الانخراط في محاور تستنزف المنطقة أكثر، لأن أي انفجار شامل في الشرق الأوسط ستكون له تداعيات كارثية على الاقتصاد المصري، وعلى أمن البحر الأحمر وقناة السويس.
إن أخطر ما في المرحلة الراهنة هو اعتياد العالم على لغة التهديد، فحين تصبح فكرة الحرب النووية قابلة للنقاش اليومي في الإعلام والسياسة، فإن البشرية تكون قد اقتربت فعليًا من حافة الجنون.
وهنا يثور السؤال حول ما إذا كان ينبغي لمصر امتلاك سلاح نووي؟
هذا، ليس سؤالًا تقنيًا أو عسكريًا فقط، بل سؤال وجودي يرتبط بمستقبل الدولة ومكانتها وتوازنات المنطقة بأكملها، ففكرة الردع النووي تبدو للبعض ضمانة نهائية للأمن القومي، خصوصًا في منطقة تعج بالصراعات وتعيش على وقع احتمالات الانفجار الكبير، لكن الحقيقة أكثر تعقيدًا من مجرد امتلاك قنبلة نووية.
يرى المؤيدون أن امتلاك مصر لقدرات نووية عسكرية سيمنحها توازنًا استراتيجيًا في مواجهة التفوق الإسرائيلي، ويجعل أي تهديد مباشر للأمن القومي المصري مكلفًا إلى أقصى درجة.
فالعالم، في نظرهم، لا يحترم إلا الأقوياء، والردع النووي هو اللغة الوحيدة التي تمنع المغامرات العسكرية وتحمي استقلال القرار الوطني من الضغوط الخارجية.
لكن في المقابل، السعي إلى امتلاك سلاح نووي يحمل أثمانًا هائلة سياسيًا واقتصاديًا واستراتيجيًا، فمصر ليست دولة معزولة عن النظام الدولي، بل ترتبط بشبكة واسعة من المصالح والعلاقات والاتفاقيات الدولية، وأي تحرك نحو التسلح النووي قد يفتح أبواب العقوبات والعزلة والضغوط.
كما أن بناء قوة ردع نووية حقيقية لا يقتصر على تصنيع قنبلة، بل يحتاج إلى منظومة هائلة من التكنولوجيا والقدرات الصاروخية والحماية الاستخباراتية والبنية الاقتصادية القادرة على تحمل سباق طويل ومكلف.
ولا يخفى أن الردع في العصر الحديث لم يعد نوويًا فقط، فالقوة الشاملة للدولة أصبحت أكثر تأثيرًا واستدامة (اقتصاد قوي، جيش متطور تقليديًا، تكنولوجيا متقدمة، أمن غذائي ومائي، واستقلال سياسي)، من هنا يبدو الموقف المصري التقليدي قائمًا على فلسفة مختلفة، تهدف إلى الحفاظ على تطوير القدرات العسكرية التقليدية وتعزيز عناصر القوة الشاملة للدولة.
ولعل السؤال الأهم، كيف تبني مصر قوة شاملة تجعل أي تهديد لها مستحيل الكلفة سياسيًا وعسكريًا؟
والله من وراء القصد،،،
عاشت مصر شعبًا وقيادة،،،