ليس عيبًا أن تستضيف شاشة التلفزيون الرسمي شخصًا أحب مصر أو شجع منتخبها، فكل من يحمل لمصر ودًّا يستحق الترحيب والتقدير، لكن من العيب أن يتحول هذا الترحيب إلى مهرجان إعلامي صاخب، ودعاية مبالغ فيها كما لو كنا نُعلن عن اكتشاف عظيم او نُعلن عن انخفاض اسعار السلع الاساسية بشكل رهيب، وكأن مصر لم تعد تملك من القضايا ما يستحق أن يشغل ساعات البث سوى جولات في مطاعم الكبدة والكباب والكشري.
فمشهد الشرطي الأمريكي إيرك هادسون وهو يتنقل بين مطاعم كبدة البرنس، وقصر الكبابجي، وكشري أبو طارق، يليق بيلوجر شهير عالميا أو صانع محتوي نستفيد منه في الدعاية للسياحة المصرية، أوربما يصلح لفيديو ترويجي لمنصة ترفيهية، لكنه لا يليق أن يصبح محور اهتمام شاشة رسمية يفترض أنها الناطق باسم هموم المصريين.
والسؤال المهم هنا أي رسالة أراد القائمون على البرنامج إيصالها؟ وهل أصبح الإنجاز الإعلامي يقاس بعدد أطباق الكشري والكباب التي تناولها الضيف، أم بعدد الأزمات التي ناقشها البرنامج بجرأة ومسؤولية؟
في الوقت الذي كانت فيه الكاميرات تلاحق انبهار الضيف بمذاق الطعام المصري، كان ملايين المواطنين يبحثون عن إجابات أكثر أهمية: لماذا تستمر أزمة العدادات الكودية؟ ومتي سيتم حلها ؟ ولماذا ترتفع أسعار السلع الأساسية بهذا الشكل؟ وأين المسؤولون الذين ينبغي أن يجلسوا أمام الناس ليشرحوا ويجيبوا ويحاسَبوا؟ وغيره من الأسئلة التي تمس أبسط حقوقهم الحياتية؟
كان الأولى أن يُستضاف وزير الكهرباء ليواجه أسئلة المواطنين، وأن تُفتح ملفات الأسعار، وأن تُناقش أزمات الخدمات، وأن تُنقل أوجاع و آهات الأسر المصرية البسيطة التي تكافح يوميًا من أجل توفير أبسط احتياجاتها. فهذه هي الرسالة الحقيقية للإعلام، لا أن يتحول اعلام رسمي إلى منصة للاحتفاء العابر بمشهد يصلح للترفيه أكثر مما يصلح للخدمة العامة.
الإعلام الرسمي ليس مطالبًا بصناعة الضجيج، بل بصناعة الوعي، وليس مطلوبًا منه أن يلهث خلف “التريند”، وإنما أن يصنع أجندته من واقع الناس، وأن يمنح المواطن مساحة يسمع فيها صوته، لا أن يكتفي بمشاهدة ضيف أجنبي يتذوق طبقًا جديدًا، لا يستطيع مواطن بسيط الحصول عليه.
إن أخطر ما يواجهه الإعلام ليس نقص الإمكانيات، وإنما ضياع الأولويات، فحين تصبح الولائم محتوي رئيسي، بينما تتراجع الملفات المعيشية إلى الهامش، فإن الأزمة لا تكون في الحلقة، بل في فلسفة الاختيار نفسها.
الوطن اليوم لا يحتاج إلى كاميرات تتجول بين المطاعم بقدر حاجته إلى كاميرات تدخل القرى، والأسواق، ومكاتب الخدمات، وتفتح الملفات التي تؤرق الناس، فالإعلام الذي ينسى المواطن، يفقد مبرر وجوده، مهما بالغ في الاحتفاء بصور عابرة أو مشاهد مصنوعة.
وسيبقى السؤال مطروحًا: هل كانت تلك الفقرة إنجازًا إعلاميًا حقًا، أم مجرد محاولة لتجميل الواقع بموائد عامرة، لايستطيع كثيراً من المواطنين الجلوس عليها، بينما ينتظر المواطن نفسه من يضع قضاياه على المائدة قبل أطباق الطعام.