Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

جمهورية «التوك توك».. دولة داخل الدولة والمخدرات دستورها

أستاذ علم اجتماع سياسي: التوك توك يسير في وسط الطريق "بيطلع لسانه" لجميع الجهات والمواطنين

صورة أرشيفية

صورة أرشيفية

في قلب الشوارع الضيقة والأحياء الشعبية، تدور عجلات صغيرة تحمل على ظهرها حكاية كبيرة، «التوك توك» المركبة التي دخلت مصر قبل عقدين كحل مؤقت لأزمة المواصلات في المناطق النائية، تحوّلت اليوم إلى ظاهرة اجتماعية شديدة التعقيد، تشكل أحد أبرز مظاهر الفوضى في الشارع المصري.

وراء مقود هذه العربة الصغيرة تختبئ قصص البطالة، والانفلات، وتعاطي المخدرات، بل وتجارة غير مشروعة تسير على ثلاث عجلات.

وفي ذات السياق، قال الدكتور عبدالحميد زيد، أستاذ علم الاجتماع السياسي، إن مركبة "التوك توك" في جوهرها ليست أكثر من آلة ابتكرها الإنسان لخدمته وتسهيل تنقلاته، شأنها شأن أي وسيلة نقل أخرى، يمكن أن تكون مفيدة أو مضرة بحسب طريقة استخدامها وتنظيمها.

وأوضح «زيد» في تصريحات خاصة لموقع «المحروسة» أن التوك توك قد يؤدي دورًا إيجابيًا في بعض مناطق الريف أو القرى التي تفتقر إلى وسائل المواصلات العامة، حيث يساهم في تسهيل حركة المواطنين والتنقل بين القرى والمناطق النائية، مثلما يحدث في بعض الدول ذات الكثافة السكانية العالية كالهند، التي تمكنت من تحويل التوك توك إلى وسيلة نقل منظمة تخضع لقواعد واضحة.

إلا أن الوضع في المجتمع المصري مختلف تمامًا، على حد قوله، إذ لا توجد معايير أو تشريعات تنظم استخدام هذه المركبة، ولا خطة استراتيجية تحدد كيفية استيرادها أو ترخيصها أو ضبطها في الشوارع، ما جعلها تتحول إلى رمز من رموز الفوضى المرورية والاجتماعية،  بحسب عبدالحميد زيد.

وأضاف زيد أن أحد مظاهر هذه الفوضى يتمثل في قيادة الأطفال للتوك توك، إذ يشاهد المرء في الشوارع صبية لا تتجاوز أعمارهم عشر أو حتى خمس سنوات يقودون المركبة دون وعي بمخاطرها، مما يعرض حياتهم وحياة الآخرين للخطر.

وأشار إلى أن غياب الدور المجتمعي والمؤسسي في توفير بدائل آمنة ومنظمة للنقل جعل التوك توك يتحول إلى وسيلة للتربح السريع، وجاذبًا للعمالة غير الماهرة التي تركت أعمالها الأصلية، حتى أن كثيرًا من العمال والبوابين أصبحوا يمتلكون "توك توك" كمصدر رزق إضافي.

وأكد أستاذ علم الاجتماع السياسي أن هذه الظاهرة أدت إلى تفاقم العديد من المشكلات الاجتماعية، أبرزها ارتفاع معدلات الجريمة وتعاطي المخدرات في بعض الأحياء الشعبية والعشوائية، فضلًا عن استغلال بعض المراهقين لهذه الوسيلة في أعمال منافية للأخلاق أو الاعتداء على الفتيات.

وشدد زيد على أن غياب الانضباط والرقابة جعل التوك توك يسير في قلب الشوارع العامة دون ضوابط أو معايير واضحة، وأصبح أحد مظاهر الفوضى اليومية التي يعيشها المواطن المصري.

وتابع: "التوك توك في حد ذاته ليس شرًا، لكن استخدامه غير المنظم هو ما جعله مشكلة اجتماعية وأمنية".

ودعى إلى ثورة فكرية وتنظيمية لإعادة الانضباط إلى الشارع المصري، تبدأ من تصحيح المفاهيم لدى المواطنين، وتفعيل دور الجهات المسؤولة عن التنظيم والرقابة، مؤكدًا أن استخدام أي آلة أو وسيلة نقل يجب أن يكون بيد إنسان عاقل وراشد يدرك مسؤوليته تجاه المجتمع والآخرين.

من وسيلة إنقاذ إلى آلة فوضى

بدأ انتشار التوك توك في القرى البعيدة، حيث لا تصل الحافلات العامة، كوسيلة سريعة لحل أزمة التنقل، لكن غياب التنظيم سرعان ما حوله إلى مركبة بلا قانون.

اليوم، تتسلل التكاتك إلى المدن الكبرى، تتقاطع مع السيارات، تسير عكس الاتجاه، وتملأ الأزقة والممرات، حتى أصبحت الشارع نفسه لا يعرف من يقوده.


لا لوحات معدنية، لا تراخيص، لا أعمار محددة، ولا رقابة تذكر 

في جولة ميدانية« للمحروسة» داخل عدد من أحياء القاهرة والجيزة، لاحظنا أن الأطفال يقودون التوك توك بلا خوف، بعضهم في العاشرة من عمره، يسير بين السيارات، يتفادى الحوادث.

اقتصاد الظل.. سوق مفتوح بلا أبواب

خلف انتشار التوك توك تتشكل طبقة اقتصادية جديدة تعمل في الظل،  حيث أن آلاف المركبات غير المرخصة تعمل يوميًا خارج أي نظام ضريبي أو رقابي.

أغلب السائقين لا يحملون رخصة قيادة، وبعضهم يمتلك أكثر من توك توك يؤجره باليوم مقابل نسبة من الأرباح.

في هذا الاقتصاد الموازي، تدور ملايين الجنيهات دون أن تمر عبر أي قنوات رسمية، ما يجعل من الظاهرة اقتصادًا كاملاً قائمًا على الفوضى.

وبينما يرى البعض أنها وفّرت فرص عمل، تكشف المعاينة أن هذه الوظائف مؤقتة وغير آمنة، لا ضمان اجتماعي فيها ولا تأمين، فقط عمل يوم بيوم، يضع سائقيها في دائرة البطالة المقنّعة.

من النقل إلى الجريمة

في الساعات المتأخرة من الليل، يتحول التوك توك في بعض الأحياء إلى وسيلة مثالية لجرائم سريعة، سرقة، تحرش، خطف حقائب، أو نقل ممنوعات.

بعض السائقين يستخدمون المركبة لنقل المواد المخدرة داخل الأزقة حيث لا تصل سيارات الشرطة، والبعض الآخر يتعاطى المخدرات أثناء القيادة، ما يضاعف حوادث السير.

خلال الرصد الميداني، وثقت «المحروسة» حالات متعددة لشكاوى سكان من تصاعد السلوك العدواني لسائقي التوك توك، خصوصًا في المناطق العشوائية، حيث يغيب أي شكل من أشكال الضبط الاجتماعي.

أحد سكان بولاق الدكرور قال في حديثه: “بعد نص الليل، التوك توك بيتحول لشبح محدش عارف مين اللي جواه ولا رايح فين.”

وفي شارع جانبي بحي إمبابة، وقف شاب لم يتجاوز السابعة عشرة يغسل توك توكه استعدادًا ليوم جديد.

ترك المدرسة في الصف الإعدادي بعد وفاة والده، وبدأ العمل على التوك توك الذي اشتراه بالتقسيط.

وقال: “المدرسة مش بتأكل عيش هنا أكسب كل يوم ومحدش بيحاسبني.”

لكن هذ ةالحرية المطلقة تحولت في حياته إلى طريق مفتوح للإدمان، فمع طول ساعات القيادة بدأ في تناول الحبوب المخدّرة للبقاء مستيقظًا، ثم أدمنها تدريجيًا.
قصته ليست استثناء، بل صورة تتكرر في مئات الأحياء.


خلال جولة “المحروسة” في بعض مناطق المرج، وشبرا، والهرم، بدا المشهد متكررًا شوارع ضيقة مكتظة بالتكاتك، أطفال يقودونها بسرعة، لا لوحات ولا تراخيص، وصوت موسيقى صاخبة يملأ المكان.

المحلات تعتمد عليها لنقل البضائع، والأهالي يستعملونها لقضاء المشاوير القصيرة، لكنهم في الوقت نفسه يشكون من الفوضى والخطر اليومي.

غياب الدولة.. وحضور الفوضى

لم تضع أي جهة حتى الآن خطة شاملة لتنظيم التوك توك.
قرارات المنع تصدر ثم تتراجع، وحملات المرور تظل محدودة أمام الكم الهائل من المركبات المنتشرة.
لا توجد قاعدة بيانات دقيقة لأعدادها، ولا جهة موحدة مسؤولة عنها، ما يجعلها خارج نطاق السيطرة القانونية تمامًا.

تقديرات غير رسمية تشير إلى أن عدد التكاتك في مصر تجاوز ثلاثة ملايين مركبة، معظمها بلا ترخيص، تعمل بحرية مطلقة في كل المحافظات، من قلب العاصمة حتى القرى الحدودية.

 كاميرا «المحروسة» في قلب الشارع

خلال جولة ميدانية، رصدت كاميرا “المحروسة” مشاهد متكررة، طفل يقود توك توك في شارع مزدحم، سائق يشغّل أغاني بصوت مرتفع يتعاطى سيجارة مشبوهة، وسيدة تُجبر على النزول بعد مشادة كلامية بسبب تجاوز السائق في السعر.

المارة ما بين مستفيد ومتضرر؛ فالبعض يرى في التوك توك وسيلة ضرورة لا غنى عنها، والبعض الآخر يعتبره وجع رأس يومي لا ينتهي.

بين الرزق والفوضى.. إلى أين؟

رصد «المحروسة»  يكشف أن الظاهرة تجاوزت حدود النقل لتصبح قضية اجتماعية وأمنية واقتصادية في آنٍ واحد، فهي تعكس غياب التنظيم، وتُظهر هشاشة سوق العمل، وتفضح حجم الإهمال الإداري في التعامل مع ظواهر تنمو يومًا بعد يوم دون رقيب.

 التوك توك لم يعد مجرد وسيلة مواصلات، بل مرآة تعكس خلل المجتمع؛ بين فقر يطارد الشباب، ودولة تغيب عن تنظيم تفاصيل الحياة اليومية، وشوارع تئن تحت ضغط العشوائية.

ولعل أخطر ما في المشهد، أن الأزمة لم تعد في التوك توك ذاته، بل في غياب العقل المنظم الذي يدير وجوده.
فطالما ظلّت العجلة تدور بلا قانون، سيظل الشارع المصري مسرحًا مفتوحًا للفوضى.

المزيد