Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

السايس بين التنظيم والفوضى.. وسيادة القانون أولا

اللواء الدكتور رضا فرحات محافظ الإسكندرية الأسبق  خبير الإدارة المحلية

اللواء الدكتور رضا فرحات محافظ الإسكندرية الأسبق خبير الإدارة المحلية

لم تعد قضية "السايس" في الشارع المصري مجرد ظاهرة عابرة أو مشكلة هامشية مرتبطة بتنظيم انتظار السيارات، بل تحولت في كثير من المناطق إلى قضية تمس هيبة الدولة ذاتها، وحق المواطن في الانتفاع بالطريق العام دون أن يجد نفسه مرغما على دفع مقابل لشخص لا يستند إلى أي سند قانوني لكن المشكلة الأعمق لا تكمن في وجود من ينظم عملية الانتظار، بل في الفوضى التي رافقت هذه المهنة لعقود، حتى أصبح المواطن في بعض الشوارع يشعر أنه أمام واقع مفروض، يلتزم فيه بدفع رسوم متذبذبة تختلف من حي إلى آخر، ومن شارع إلى غيره، دون ضوابط أو رقابة أو سند تشريعي واضح، وهو مشهد لا ينسجم إطلاقا مع جهود الدولة المصرية في إرساء سيادة القانون وبناء الجمهورية الجديدة .
لقد أدركت الدولة مبكرا خطورة هذه الظاهرة، فأصدرت قانون تنظيم انتظار المركبات، في خطوة مهمة نحو إنهاء العشوائية وتقنين النشاط، من خلال منح التراخيص وفق ضوابط محددة، وإسناد عملية التنظيم إلى المحليات، مع تحديد الرسوم والالتزامات والحقوق بصورة واضحة، غير أن نجاح أي تشريع لا يقاس فقط بصدوره، وإنما بمدى تطبيقه على أرض الواقع، وهنا تظل الفجوة بين النصوص القانونية والممارسة الفعلية هي التحدي الحقيقي، إذ لا تزال بعض الشوارع تشهد انتشار من يطلق عليهم "السايس" دون ترخيص، ويفرضون مبالغ مالية على المواطنين باعتبارها أمرا واقعا، في مشهد يثير الاستياء.

إن الشارع العام ملك لجميع المواطنين، وليس من حق أي فرد أن يستغل مساحة عامة لتحقيق مكاسب شخصية خارج إطار القانون كما أن المواطن الذي يسدد الضرائب والرسوم المختلفة لا يجوز أن يجد نفسه أمام رسوم أخرى غير معلومة المصدر أو السند، ومن هنا فإن التعامل مع هذه الظاهرة يجب ألا يكون من منظور أمني فقط، وإنما باعتبارها قضية إدارة محلية في المقام الأول، تتطلب تفعيل دور الأحياء، والرقابة المستمرة، والمتابعة الميدانية، وسرعة الاستجابة لشكاوى المواطنين، مع تطبيق القانون بحسم على كل من يمارس النشاط دون ترخيص أو يستغل المواطنين تحت أي مسمى.


وتزداد خطورة هذه الظاهرة عندما تتحول إلى عبء يومي يثقل كاهل المواطنين، فالأمر لا يتعلق بمبالغ مالية قد تبدو محدودة في ظاهرها، وإنما بتكرارها بصورة يومية، وما يصاحبها أحيانا من مشاحنات أو خلافات، بما يخلق حالة من الاحتقان ويؤثر في شعور المواطن بالأمان والثقة في انتظام المجال العام ومن ثم، فإن إنهاء هذه الممارسات لا يهدف فقط إلى حماية حقوق أصحاب المركبات، وإنما يسهم أيضا في استعادة الانضباط إلى الشارع المصري، وترسيخ مبدأ أن العلاقة بين المواطن والدولة يجب أن تحكمها القوانين واللوائح، لا الاجتهادات الفردية أو فرض الأمر الواقع.

ولا ينبغي أن يفهم من ذلك التقليل من أهمية مهنة تنظيم انتظار المركبات في حد ذاتها، فهي مهنة موجودة في العديد من دول العالم، وتؤدي دورا مهما في تنظيم الحركة المرورية، بشرط أن تكون جزءا من منظومة قانونية واضحة، وأن تخضع للرقابة والمحاسبة، وأن يعرف المواطن الرسوم المقررة والجهة التي تحصلها وكيفية إنفاقها، الفرق كبير بين خدمة تقدم وفق قواعد معلنة تحقق الانضباط وتوفر موردا للدولة، وبين ممارسات عشوائية تفتح الباب أمام فرض الإتاوات واستغلال المواطنين والإضرار بصورة الدولة.

كما أن تنظيم هذه المنظومة يحقق أهدافا اقتصادية لا تقل أهمية عن أهدافها التنظيمية، إذ يسهم في دمج نشاط قائم بالفعل داخل الاقتصاد الرسمي، ويضمن توجيه موارده إلى الخزانة العامة بدلا من بقائها خارج المنظومة، وهو ما ينعكس إيجابا على تحسين الخدمات المحلية وتطوير البنية التحتية، وفي الوقت نفسه، فإن القضاء على العشوائية يوفر بيئة حضارية أكثر جذبا للاستثمار والسياحة، ويعزز شعور المواطن والزائر بأن القانون هو المرجعية الوحيدة في التعامل مع المرافق العامة.

إن نجاح هذه المنظومة يتطلب تكاملا بين التشريع والتنفيذ والرقابة، فلا يكفي إصدار القوانين إذا لم تصاحبها حملات ميدانية مستمرة، وتقييم دوري للأداء، وآليات واضحة لتلقي شكاوى المواطنين والتعامل معها بسرعة وحسم كما أن استخدام التكنولوجيا في إدارة أماكن الانتظار، من خلال التطبيقات الإلكترونية ووسائل الدفع الحديثة، يمكن أن يحد كثيرا من فرص التلاعب، ويحقق قدرا أكبر من الشفافية والانضباط.

إن الجمهورية الجديدة التي تبنيها الدولة المصرية تقوم على احترام القانون، وترسيخ كفاءة المؤسسات، وإنهاء كل صور العشوائية التي تراكمت عبر سنوات طويلة ومن ثم، فإن الحسم في ملف تنظيم انتظار المركبات لم يعد رفاهية إدارية، بل ضرورة تفرضها متطلبات الدولة الحديثة، التي لا تسمح بوجود أي نشاط خارج المظلة القانونية، ولا تقبل أن يشعر المواطن بأن الطريق العام أصبح مجالا لفرض الأمر الواقع وسيظل التطبيق العادل والحاسم للقانون هو الطريق الوحيد لضمان حق الدولة، وصون كرامة المواطن، واستعادة الانضباط الذي تستحقه شوارع مصر.

المزيد