Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

المراهنات تسود وتقود.. وأد النزاهة في كرة القدم

لواء يحيى عبد الكريم

لواء يحيى عبد الكريم

لم تعد كرة القدم مجرد تسعين دقيقة من المتعة والإثارة، ولا مجرد منافسة بين فريقين يبحث كل منهما عن المجد أو البطولة، فخلف المستطيل الأخضر، نشأت خلال العقود الأخيرة صناعة مالية عملاقة تتجاوز في تأثيرها حدود الرياضة، قوامها المراهنات وشركات المقامرة وأسواق التوقعات، حتى بات يتردد في الأوساط الرياضية والإعلامية أن المال أصبح اللاعب الأكثر حضوراً، وأن ما يجري داخل الملعب لا ينفصل دائماً عما يجري خارجه.
ولعل أكثر ما يثير الجدل أن المراهنات لم تعد نشاطاً هامشياً يمارسه عدد محدود من المغامرين، وإنما أصبحت اقتصاداً عالمياً قائماً بذاته، تقدر بعض الدراسات حجم الأموال المتداولة فيه – بين الأسواق القانونية وغير القانونية – بما يتجاوز تريليون دولار سنوياً، فيما تستحوذ كرة القدم وحدها على النصيب الأكبر من هذه الكعكة المالية الضخمة. 
والمراهنة، في أبسط تعريفاتها، هي قيام شخص أو مجموعة بالمخاطرة بمبلغ مالي مقابل توقع نتيجة حدث رياضي أو سياسي أو اقتصادي، على أن يحصل الفائز على عائد يتناسب مع احتمالات النتيجة، وكلما زادت الأموال الموضوعة على نتيجة معينة، ارتفعت حساسية السوق تجاه أي تغيير قد يحدث أثناء المباراة، سواء كان هدفاً مفاجئاً أو بطاقة حمراء أو قراراً تحكيمياً مثيراً للجدل.
وتقوم شركات المراهنات على معادلة رياضية دقيقة تعتمد على توزيع الأموال بين مختلف النتائج المحتملة، بحيث تضمن في الظروف الطبيعية تحقيق هامش ربح ثابت، غير أن الخطر الحقيقي يظهر عندما تتركز مليارات الدولارات على نتيجة بعينها، إذ قد تتحول أي نتيجة مخالفة للتوقعات إلى خسائر ضخمة لطرف، وأرباح استثنائية لطرف آخر، وهو ما يجعل أسواق المراهنات شديدة الحساسية لأي متغير داخل الملعب.
ومن هنا، تتردد بين الحين والآخر تساؤلات وشبهات حول ما إذا كانت بعض المباريات قد تتعرض لمحاولات تأثير غير مشروعة، وتستند هذه التساؤلات إلى وقائع موثقة شهدتها عدة دول، حيث أُدين لاعبون وحكام ومسؤولون في قضايا تلاعب بنتائج مباريات، خصوصاً في البطولات الأقل شهرة، والتي يسهل فيها شراء الذمم مقارنة بالبطولات الكبرى. 
كما تؤكد أجهزة إنفاذ القانون الدولية أن الجريمة المنظمة تنظر إلى التلاعب الرياضي باعتباره وسيلة ذات عائد مرتفع ومخاطر أقل نسبياً من أنشطة إجرامية أخرى.
ولا يكاد يمر موسم كروي دون أن يثار الجدل حول قرارات تحكيمية غير مفهومة، أو مباريات جاءت نتائجها على نحو أثار دهشة المتابعين، فيربط البعض بين تلك الوقائع وبين حركة الأموال في أسواق المراهنات. 
ولذلك، تتردد أيضاً اتهامات تطال أحياناً مؤسسات كروية كبرى، بل وحتى الاتحاد الدولي لكرة القدم، بزعم أن مصالح المراهنات أصبحت صاحبة نفوذ واسع، غير أن هذه الادعاءات لم تثبت بأدلة قانونية، كما أن الاتحاد الدولي يؤكد باستمرار امتلاكه منظومات متخصصة لرصد أنماط المراهنات المشبوهة والتعاون مع جهات رقابية وأمنية لحماية نزاهة المنافسات. 
ولأن المال الضخم يولّد الشكوك بقدر ما يولّد الأرباح، فقد أصبحت منصات التواصل الاجتماعي ساحة موازية لكل مباراة كبرى، فما إن تنتهي مواجهة مثيرة للجدل حتى تمتلئ الفضاءات الرقمية بتحليلات وتأويلات تربط بين القرارات التحكيمية وأسواق المراهنات. 
ولم تكن مباراة مصر والأرجنتين في كأس العالم 2026 استثناءً، إذ راجت روايات متعددة، وتداولت بعض الحسابات مزاعم عن تأثير محتمل للمراهنات في مسار اللقاء، مستندة إلى قراءات واجتهادات أكثر من استنادها إلى أدلة موثقة، وبين ما يتداوله الجمهور وما تثبته الوقائع، تبقى الحقيقة رهناً بالتحقيقات الرسمية والأدلة القابلة للإثبات.
وفي مصر، تكتسب القضية أبعاداً مختلفة، فالقانون المصري يجرّم القمار والمراهنات المالية خارج الإطار الذي ينظمه القانون، كما أن غالبية منصات المراهنات الرياضية العالمية لا تعمل بصورة قانونية داخل البلاد. 
ومع ذلك، فإن التطور الرقمي وانتشار تطبيقات الهواتف الذكية ووسائل الدفع الإلكترونية والعملات الرقمية أوجد واقعاً جديداً، حيث بات كثير من الشباب يصلون إلى منصات المراهنة عبر الإنترنت بسهولة، مستفيدين من وسائل تقنية تتجاوز القيود المحلية، وتشير الشواهد إلى أن هذه الظاهرة آخذة في الاتساع، وإن كان من الصعب تحديد حجمها الحقيقي بسبب طبيعتها غير الرسمية.
ولا تتوقف تداعيات المراهنات عند حدود الرياضة، بل تمتد إلى الاقتصاد والمجتمع والأسرة، فكثير من الدراسات الاجتماعية تربط بين إدمان المراهنات وارتفاع معدلات الديون والإفلاس والتفكك الأسري والاضطرابات النفسية، فيما يجد الشباب أنفسهم أمام وهم الثراء السريع الذي ينتهي في أغلب الأحيان بخسائر متراكمة. 
وربما لا يكون أخطر ما في المراهنات هو حجم الأموال المتداولة، وإنما قدرتها على زرع الشك في نفوس الجماهير، فعندما يفقد المشجع ثقته في عدالة المنافسة، ويتساءل بعد كل قرار تحكيمي: هل كان خطأً بشرياً أم تدخلاً مقصوداً؟ فإن الخاسر الحقيقي لا يكون فريقاً بعينه، بل اللعبة نفسها.
وفي النهاية، تبقى الحقيقة التي يصعب تجاهلها هي أن المراهنات أصبحت لاعباً رئيسياً في اقتصاد الرياضة، وأن حماية نزاهة المنافسات لم تعد مسؤولية الحكام والاتحادات وحدها، بل معركة عالمية ضد مصالح مالية عابرة للحدود، تتسع يوماً بعد يوم، حتى بات كثيرون يرددون أن المال لم يعد يتابع المباراة من المدرجات، بل ربما أصبح يجلس في غرفة قيادة المشهد الرياضي بأكمله.

والله من وراء القصد،،،

المزيد