Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

وداعا صاحب السينما المفكرة.. وفـ ـاة المخرج الكبير داوود عبد السيد

المخرج داوود عبد السيد

المخرج داوود عبد السيد

خيم الحزن على الوسط الثقافي والفني في مصر والعالم العربي، بعد إعلان وفاة المخرج الكبير داوود عبد السيد، أحد أكثر صناع السينما تأثيرًا وعمقًا في العقود الأخيرة، والذي غيبه الموت منذ قليل بعد رحلة طويلة مع المرض، تاركًا خلفه إرثًا سينمائيًا استثنائيًا سيظل حاضرًا في الذاكرة الجمعية لعشاق الفن السابع.

ولد داوود عبد السيد في القاهرة عام 1943، ونشأ في بيئة ثقافية ساهمت في تشكيل وعيه المبكر بالفن والفكر، قبل أن يبدأ مشواره المهني في كواليس السينما كمساعد مخرج، حيث عمل مع أسماء بارزة في تاريخ الإخراج المصري، وعلى رأسهم المخرج العالمي يوسف شاهين، غير أن تلك التجربة لم تكن سوى محطة انطلاق، إذ سرعان ما شق عبد السيد طريقه الخاص، راسمًا ملامح مدرسة سينمائية متفردة، تقوم على المزج بين الواقع الاجتماعي والتأمل الفلسفي، بعيدًا عن القوالب التجارية السائدة.
 

ويعد الراحل أحد أبرز رواد ما عُرف بـ«الواقعية الجديدة» في الثمانينيات والتسعينيات، وهو التيار الذي حاول الاقتراب من الإنسان البسيط، وكشف تناقضاته وأسئلته الوجودية، دون مباشرة أو شعارات، معتمدًا على لغة بصرية هادئة، وحوار عميق، وشخصيات تحمل أبعادًا إنسانية مركبة.
 

ورغم أن رصيده من الأفلام لا يقارن من حيث العدد بزملائه من أبناء جيله، فإن كل عمل قدّمه كان بمثابة علامة فارقة في تاريخ السينما المصرية، ويأتي فيلم «الكيت كات» (1991) في مقدمة هذه الأعمال، حيث نجح في تقديم صورة إنسانية ثرية عن المهمشين، ما جعله يصنف لاحقًا ضمن قائمة أفضل 100 فيلم في تاريخ السينما المصرية، كما شكل فيلم «أرض الخوف» (2000) تجربة سينمائية فريدة، أعاد من خلالها طرح أسئلة شائكة حول السلطة والجريمة والهوية، بأسلوب رمزي مفتوح على التأويل.

ولم تتوقف بصمات داوود عبد السيد عند ذلك، إذ قدم أفلامًا أخرى لامست تحولات المجتمع المصري بجرأة ووعي، من بينها «سارق الفرح» و«مواطن ومخبر وحرامي»، حيث اشتبك مع قضايا الفقر والعدالة الاجتماعية وعلاقة الفرد بالسلطة، أما فيلمه «رسائل البحر» (2010)، فاعتبر لدى كثير من النقاد بمثابة عمل تأملي أقرب إلى قصيدة سينمائية، غاص فيها المخرج في أسئلة الذات والذاكرة والعزلة.

وخلال مسيرته، حصد الراحل عددًا كبيرًا من الجوائز والتكريمات، من مهرجانات محلية ودولية، أبرزها جائزة الدولة التقديرية في الفنون، تقديرًا لإسهاماته المؤثرة في تطوير لغة السينما المصرية.

وفي سنواته الأخيرة، أعلن داوود عبد السيد ابتعاده عن الإخراج، موضحًا أن التحولات التي شهدها سوق السينما، وهيمنة الحسابات التجارية، لم تعد تتماشى مع رؤيته الفنية التي آمن بها طوال مشواره. وبرحيله، تفقد السينما العربية واحدًا من أهم مخرجيها، لكن أعماله ستظل شاهدة على تجربة إبداعية نادرة، صنعت سينما تُفكّر بقدر ما تُمتع.

المزيد