في وقت تراهن فيه الدولة على الصناعة باعتبارها قاطرة النمو الاقتصادي وتوطين الإنتاج المحلي، تقف آلاف المصانع المصرية على حافة التوقف الكامل أو العمل بنصف طاقتها، تشير التقديرات إلى أن أكثر من 20 ألف مصنع تواجه التعثر أو الإغلاق، ما يطرح تساؤلات جادة حول أسباب غياب مبادرة حكومية شاملة لإعادة تشغيلها، رغم ما تمثله هذه الكيانات من ثروة صناعية معطلة وفرص عمل مهدرة.
تتوزع المصانع المتعثرة بين مناطق صناعية في العاشر من رمضان، والسادات، وبدر، وبرج العرب، وغيرها، ورغم اختلاف الأنشطة من الغزل والنسيج إلى الصناعات الغذائية والهندسية إلا أن العامل المشترك هو التعثر المالي والتشغيلي.
وفقًا لاتحاد الصناعات، فإن ما يقرب من ثلث المصانع المتعثرة يمكن تشغيلها خلال 6 أشهر فقط إذا تم توفير تمويل ميسر وحل مشكلات الأراضي والمرافق.
أسباب التعثر
وفقًا لجولة ميدانية لموقع «المحروسة» تبين أن الأزمة ليست وليدة اللحظة، بل نتيجة تراكمات اقتصادية وإدارية على مدار سنوات، من أبرزها، ارتفاع تكلفة الإنتاج بعد تحرير سعر الصرف وغلاء الخامات والطاقة، نقص التمويل وصعوبة الحصول على قروض تشغيل بفوائد مناسبة، البيروقراطية وضعف التنسيق بين الجهات المعنية بدعم الصناعة، الديون البنكية المتراكمة وغياب برامج جادة لإعادة الجدولة، ضعف التسويق المحلي والتصديري الذي أدى إلى تراكم المخزون وتوقف الإنتاج.
كل مصنع متعثر هو مشروع قومي ضائع إعادة تشغيل 20 ألف مصنع يمكن أن تضيف 4 إلى 5% للناتج المحلي خلال عامين، وتخلق أكثر من نصف مليون فرصة عمل مباشرة وغير مباشرة.
أين المبادرة الحكومية؟
رغم إطلاق مبادرات متعددة لدعم الصناعة، مثل مبادرة التمويل بفائدة 8%، إلا أن أغلبها يستهدف المصانع العاملة وليس المتعثرة، حيث ان السبب يعود إلى،غياب قاعدة بيانات دقيقة توضح أوضاع المصانع المتوقفة، تخوّف البنوك من منح تمويل لمشروعات "غير منتجة، تداخل الاختصاصات بين الوزارات والبنوك والهيئات الصناعية، نقص الكوادر الفنية القادرة على تقييم حالة كل مصنع ميدانيًا، وفقًا لمصدر مسئول داخل اتحاد الصناعات رفض الإفصاح عن أسمة.
وأضاف أنه لدينا مصانع متوقفة بسبب مشكلة بسيطة في الكهرباء أو رخصة تشغيل، وأخرى تحتاج تمويلًا محدودًا لاستيراد خامات. لكن غياب جهة واحدة تتبنى الملف يعطل الحل.
حلول مطروحة
وأقترح خريطة طريق عملية لإنقاذ المصانع المتعثرة، تتضمن، تشكيل لجنة وطنية دائمة تضم ممثلين من الصناعة والبنوك واتحاد المستثمرين لتقييم كل حالة على حدة، وإنشاء صندوق إنقاذ صناعي يمول عبر البنك المركزي ومؤسسات استثمارية وطنية، إعفاءات ضريبية وجمركية مؤقتة للمصانع التي تعود للإنتاج خلال عام.
بجانب توفير تمويل قصير الأجل لتوريد الخامات ودعم التشغيل، وتسويق منتجات المصانع المعاد تشغيلها من خلال المعارض الداخلية والمنصات التصديرية الحكومية.
الأثر المتوقع لإعادة التشغيل
إحياء هذه المصانع سيحقق نتائج اقتصادية واجتماعية واسعة، منها، خلق أكثر من 500 ألف فرصة عمل جديدة،زيادة الإنتاج المحلي وتقليل فاتورة الاستيراد، تحسين ميزان المدفوعات ودعم قيمة الجنيه، توسيع القاعدة الضريبية دون فرض أعباء جديدة، تعزيز تنافسية الصناعة المصرية في الأسواق الإقليمية.
ملف المصانع المتعثرة لم يعد يحتمل التأجيل. فكل يوم يمر يعني فقدان خطوط إنتاج، وتشريد عمال، وضياع استثمارات بمليارات الجنيهات.
إن إطلاق مبادرة وطنية شاملة لإحياء 20 ألف مصنع لم يعد خيارًا، بل ضرورة استراتيجية لإنعاش الصناعة الوطنية، ودفع عجلة النمو الحقيقي، يبقى السؤال، هل تتحرك الدولة قريبًا لإعادة الروح إلى مصانعها، أم تظل هذه الطاقات الإنتاجية حبيسة الجدران الصامتة؟