Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

الحكومة بين أرقام الاقتصاد وآهات المواطنين

أحمد سالم رئيس التحرير

أحمد سالم رئيس التحرير

ليست مهمة الحكومات أن تطلب من الشعوب الصبر إلى ما لا نهاية، إنما أن تجعل للصبر ثمارًا يلمسها الناس في موائدهم قبل بياناتها، وفي قدرتهم على شراء احتياجاتهم قبل سماع المؤشرات الاقتصادية.

فمنذ عام 2018، شهدت الأسواق المصرية موجات متتالية من ارتفاع الأسعار، طالت الغذاء والدواء والخدمات ومستلزمات الحياة اليومية. وبغض النظر عن أسباب تلك الزيادات، فإن المواطن البسيط لا يحاسب الواقع بالأرقام المجردة، وإنما بما يستطيع أن يحمله في كيس المشتريات، وبما يبقى في جيبه آخر الشهر.
كانت العبارة القديمة تقول إن "لا أحد ينام جائعًا"، أما اليوم فقد أصبحت شكاوى المواطنين من ضيق المعيشة وارتفاع تكاليف الحياة حديث كل بيت. 
والواقع يفرض على صانع القرار أن يضع هذه الأصوات في مقدمة أولوياته، لأن الاستقرار الحقيقي يبدأ من شعور المواطن بالأمان الاقتصادي.
لم تقتصر موجة الغلاء على سلعة بعينها، بل امتدت إلى كل ما تمس إليه حاجة المواطن اليومية؛ فالزيوت، والسكر، والألبان، واللحوم، والدواجن، والبيض، وغيرها من السلع الأساسية، حيث شهدت السنوات الماضية ارتفاعات متلاحقة ومتسارعة، حتى أصبحت أسعار كثير منها تعادل أضعاف ما كانت عليه في عام 2018، ولم يعد المواطن يقارن بين سعر الأمس وسعر اليوم، بل بين زمن كانت فيه مائدة الأسرة تُعد حقًا طبيعيًا، وزمنٍ أصبحت فيه أبسط الاحتياجات عبئًا يثقل كاهل ملايين الأسر، حتى غدا شراء الضروريات يستنزف معظم الدخل، إن لم يكن كله. 
إن أي حكومة تُقاس بقدرتها على تحقيق التوازن بين الإصلاح الاقتصادي وحماية الفئات الأكثر احتياجًا، فإذا شعر المواطن أن كلفة الإصلاح تقع على عاتقه وحده، بينما تتراجع قدرته الشرائية عامًا بعد عام، فإن الفجوة بين الخطط الاقتصادية والواقع المعيشي تتسع بصورة مقلقة.
ومن هنا، فإن الحاجة إلى مراجعة السياسات الاقتصادية، وتقييم نتائجها بموضوعية، أصبحت ضرورة لا تحتمل التأجيل. 
المواطن لا ينتظر تبريرات بقدر ما ينتظر حلولًا ملموسة تخفف من أعباء الحياة اليومية، وتحافظ على كرامته وقدرته على العيش الكريم.

إن النقد ليس خصومة، والمطالبة بالمراجعة ليست هدمًا، وإنما هي جزء من المسؤولية العامة التي تقتضي تقييم السياسات على ضوء نتائجها وآثارها على المجتمع. فنجاح أي حكومة لا يُقاس فقط بالمشروعات الكبرى، وإنما أيضًا بقدرة المواطن على توفير احتياجات أسرته دون أن يتحول كل يوم إلى معركة جديدة مع الأسعار.

المزيد