في مشهد يعكس نضوج التجربة المصرفية المصرية، وعبور الاقتصاد الوطني إلى مرحلة أكثر ثباتًا وثقة، جاءت الجلسة الافتتاحية لمؤتمر «الناس والبنوك» في دورته التاسعة عشرة لتؤكد أن البنوك لم تعد مؤسسات مالية تقليدية، بل تحوّلت إلى أداة تنمية وطنية تسهم في صياغة مستقبل الاقتصاد المصري.
تحت رعاية البنك المركزي المصري، حمل المؤتمر هذا العام شعار «اقتصاد ذكي.. مستقبل آمن»، ليضع خريطة طريق واضحة نحو اقتصاد متكامل يعتمد على التكنولوجيا، ويستند إلى الشمول المالي، ويُكرّس للتمكين المجتمعي كأحد أعمدة الاستدامة.
كان لافتًا في الجلسة حجم التوافق بين مسؤولي الدولة ورؤساء البنوك حول أن التحول الرقمي والشمول المالي وتمكين المرأة والشباب لم تعد مجرد شعارات، بل أصبحت سياسات تنفيذية تتحرك على الأرض، بدعم من البنك المركزي المصري وإرادة الدولة نحو بناء اقتصاد أكثر شمولًا وعدالة.
استهل طارق الخولي، نائب محافظ البنك المركزي المصري، الجلسة بكلمة سلطت الضوء على حجم التحول الذي شهده القطاع المصرفي خلال العقد الأخير، مشيرًا إلى أن مصر انتقلت من مرحلة التأسيس إلى مرحلة التمكين والتوسع في الخدمات المالية، وأن نسبة المواطنين الذين يمتلكون حسابات مصرفية قفزت إلى 76% من إجمالي السكان مقابل 10% فقط عام 2015، بإجمالي 53.8 مليون عميل داخل المنظومة المصرفية.
وأوضح أن تمكين المرأة اقتصاديًا كان من أبرز إنجازات تلك المرحلة، حيث ارتفع عدد السيدات اللاتي حصلن على خدمات مالية إلى 24 مليون عميلة بنسبة نمو تجاوزت 300% خلال السنوات الأخيرة، موضحًا أن النساء وحدهن ساهمن بنسبة 70% من معدل نمو الشمول المالي، وهو ما يعكس التحول في الثقافة الاقتصادية للمجتمع المصري.
أما الشباب، فقد أشار الخولي إلى أنهم أصبحوا القوة الأكثر تأثيرًا في المشهد المصرفي، حيث يمثل من هم بين 15 و35 عامًا نحو 54.5% من إجمالي العملاء، أي أكثر من 21.7 مليون شاب وفتاة، ما يعكس مدى اندماج الجيل الجديد في منظومة الاقتصاد الرقمي.
وكشف الخولي عن تطور غير مسبوق في البنية التحتية المصرفية، إذ ارتفع عدد ماكينات الصراف الآلي إلى 57,705 ماكينة تغطي كافة المحافظات، وزاد عدد الفروع إلى 4,756 فرعًا، بينما تجاوز عدد البطاقات البنكية 69.2 مليون بطاقة وعدد المحافظ الإلكترونية 55.85 مليون محفظة على الهواتف المحمولة، وهو ما وصفه بأنه التحول العملي نحو اقتصاد لا نقدي يعتمد على التكنولوجيا المالية والابتكار.
وفي كلمته، أكد محمد الإتربي، الرئيس التنفيذي للبنك الأهلي المصري، أن القطاع المصرفي المصري أصبح أحد أقوى القطاعات في المنطقة من حيث الملاءة المالية والاستقرار، موضحًا أن معيار كفاية رأس المال بلغ 18.3%، وأن إجمالي أصول القطاع تجاوز 23.5 تريليون جنيه، بينما بلغت الودائع 14.6 تريليون جنيه والقروض أكثر من 9.1 تريليون جنيه، ما يعكس توسع النشاط المصرفي واستمرارية النمو رغم التحديات العالمية.
وأضاف الإتربي أن البنك الأهلي المصري نجح في ترسيخ مكانته كأكبر مؤسسة مالية في مصر والمنطقة، بتحقيق صافي أرباح تجاوز 133.2 مليار جنيه، وودائع بقيمة 5.6 تريليون جنيه، ومحفظة قروض بلغت 4.5 تريليون جنيه، مشيرًا إلى أن هذه المؤشرات لم تكن لتتحقق لولا دعم البنك المركزي للسياسات الإصلاحية التي عززت الثقة في الجهاز المصرفي.
كما كشف الإتربي أن البنوك المصرية ساهمت بنحو 11 مليار جنيه في صندوق دعم وتطوير الجهاز المصرفي، الذي أطلقه البنك المركزي المصري بهدف تطوير البنية التحتية الرقمية وتنمية الكفاءات البشرية ورفع جودة الخدمات المصرفية. وأوضح أن هذا الصندوق الذي يترأسه حسن عبدالله، محافظ البنك المركزي، يمثل استثمارًا في المستقبل لضمان جاهزية القطاع للتحولات التكنولوجية القادمة.
من جانبه، تناول محمد الإتربي بصفته رئيس مجلس إدارة بنك مصر، الرؤية الأشمل للاقتصاد الكلي، مؤكدًا أن الاقتصاد المصري يسير بخطوات ثابتة نحو مرحلة جديدة من الاستقرار، وأن معدل التضخم في طريقه للانخفاض إلى رقم أحادي بحلول عام 2027، بفضل السياسات النقدية والإصلاحات المالية المتوازنة.
وأوضح أن النمو الاقتصادي بلغ 4.4%، وهو الأعلى خلال ثلاث سنوات، مدفوعًا بتحسن القطاعات الإنتاجية والخدمية، بينما ارتفع صافي الأصول الأجنبية إلى 17.9 مليار دولار، وبلغ الاحتياطي النقدي نحو 49.5 مليار دولار، في مؤشر على قوة المركز المالي للدولة.
وأشار الإتربي إلى أن تحسين بيئة الاستثمار وتوسيع التحصيل الإلكتروني ساهم في ارتفاع الإيرادات الضريبية إلى 2.2 تريليون جنيه، بنسبة نمو 36%، ما يعكس جدوى الإصلاحات الحكومية والتحول الرقمي في المنظومة المالية للدولة.
أما غادة توفيق، وكيل محافظ البنك المركزي المصري للمسؤولية المجتمعية والتنمية المستدامة، فأكدت أن القطاع المصرفي لم يغفل دوره الاجتماعي، مشيرة إلى أن البنوك المصرية ضخت تمويلات بلغت 3.3 مليار جنيه خلال التسعة أشهر الأولى من عام 2025 في مبادرات المسؤولية المجتمعية، مقارنة بـ 3.8 مليار جنيه في عام 2024.
وأضافت أن البنوك ساهمت في تنفيذ مبادرات نوعية في مجالات الصحة والتعليم وتمكين المرأة وتكافؤ الفرص، قائلة: نحن لا نُموّل الأرقام فقط، بل نُموّل الإنسان. فكل مشروع صغير ناجح هو لبنة في بناء اقتصاد وطني مستدام.
وفي مداخلة حملت بُعدًا تنفيذيًا، أوضح هشام عكاشة، الرئيس التنفيذي لبنك مصر، أن البنك حقق نموًا بنسبة 27% في تمويل المشروعات الصغيرة والمتوسطة خلال العام الجاري، معتبرًا هذا القطاع العمود الفقري للاقتصاد الوطني ومصدرًا رئيسيًا لخلق فرص العمل.
وأضاف أن البنك حقق كذلك نموًا يتراوح بين 25 و30% في قطاع التجزئة المصرفية بفضل تطوير الخدمات الرقمية وتحسين تجربة العملاء، مشيرًا إلى أن البنك يعمل على توسيع قاعدة المتعاملين من خلال أدوات تمويل مبتكرة تتناسب مع احتياجات الشباب والمشروعات الناشئة.
وحذر عكاشة من تنامي محاولات الاحتيال المالي الإلكتروني، داعيًا العملاء إلى التعامل فقط عبر القنوات الرسمية للبنوك، مؤكدًا أن الأمن السيبراني أصبح جزءًا لا يتجزأ من استراتيجية التحول الرقمي.
وفي ختام الجلسة، أكدت الدكتورة رانيا المشاط، وزيرة التخطيط والتنمية الاقتصادية والتعاون الدولي، أن القطاع المصرفي المصري استحوذ على نحو 42% من إجمالي التمويلات التنموية الموجهة للقطاع الخاص منذ عام 2020، بإجمالي تجاوز 16 مليار دولار، مشيرة إلى أن هذا يعكس الثقة المتزايدة من شركاء التنمية الدوليين في النظام المصرفي المصري.
وأوضحت أن هذه التمويلات ساهمت في دعم المشروعات الصغيرة والمتوسطة وريادة الأعمال، وتعزيز فرص العمل والإنتاج، ما جعل القطاع المصرفي المنصة الأهم في جذب رؤوس الأموال وتحريك عجلة الاقتصاد الحقيقي.
وخرجت الجلسة الافتتاحية لمؤتمر الناس والبنوك 2025 برسالة واضحة، أن القطاع المصرفي لم يعد تابعًا للاقتصاد، بل أصبح صانعه وشريكه الأساسي في التنمية، فمن خلال تحقيق الشمول المالي، وتمكين المرأة والشباب، وتبني التحول الرقمي، وبناء بيئة مالية آمنة ومستدامة، تضع مصر أسسًا قوية لاقتصاد حديث قادر على المنافسة إقليميًا ودوليًا.
لقد تحولت البنوك المصرية من مجرد مؤسسات مالية إلى مراكز تفكير وتنفيذ قادرة على توجيه النمو الاقتصادي، في مشهد يعكس نجاح فلسفة الإصلاح المالي والنقدي التي تبنتها الدولة خلال السنوات الأخيرة.