Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

لماذا تصر المؤسسات الدولية على رؤية متضاربة للجنيه رغم تحسنه أمام الدولار؟

الدولار والجنيه

الدولار والجنيه

في الوقت الذي يسجل فيه سعر صرف الدولار الأمريكي تراجعًا تدريجيًا أمام الجنيه المصري ليقترب من مستوى 47 جنيهًا خلال أكتوبر 2025، ما يعكس حالة من التحسن النسبي للعملة المحلية، لا تزال المؤسسات الدولية وبنوك الاستثمار العالمية تقدم توقعات متحفظة أو متضاربة حول مستقبل الجنيه، متوقعة أن يتجاوز الدولار حاجز 50 جنيهًا خلال العام الجاري ويصل إلى 54 جنيهًا في العام المقبل.
هذا التناقض بين التحسن الفعلي في السوق وتشاؤم التوقعات الدولية يثير تساؤلات حول منهجية تلك المؤسسات في بناء توقعاتها، ومدى قدرتها على قراءة التطورات الاقتصادية الأخيرة في مصر.

توقعات متباينة رغم التحسن المحلي

تُظهر آخر تقارير صندوق النقد الدولي أن سعر صرف الجنيه قد يبلغ نحو 51.48 جنيهًا للدولار بنهاية 2025، مقابل توقعاته السابقة التي تجاوزت 52 جنيهًا، على أن يواصل التراجع إلى 54 جنيهًا في عام 2026. أما بنك الاستثمار العالمي ستاندرد تشارترد فيتوقع أن يصل الدولار إلى 54 جنيهًا خلال العام المقبل، بينما ترى وكالة فيتش أن النطاق العادل يتراوح بين 50 و55 جنيهًا.

ورغم هذه النظرة السلبية نسبيًا، تشير تقارير "غولدمان ساكس" إلى أن الجنيه المصري مقوم بأقل من قيمته الحقيقية بنحو 30%، وأن سعره العادل يجب أن يكون 35 جنيهًا للدولار، ما يعني أن المؤسسات المالية نفسها تختلف في تقدير القيمة الفعلية للعملة المصرية.
تعتمد المؤسسات الدولية على نماذج اقتصادية كمية تشمل مجموعة من المؤشرات الكلية مثل الإنتاج، والاستهلاك، والاستثمار، والقطاع الخارجي. وتُستخدم كذلك نماذج التوازن العام وسعر الصرف الحقيقي التي تراعي معدلات التضخم، والفائدة، والنمو الاقتصادي، إلى جانب مقارنة الأسعار المحلية بنظيرتها العالمية.
كما تستند هذه النماذج إلى تحليلات الأساسيات الاقتصادية مثل حجم الاحتياطي النقدي الأجنبي، وميزان المدفوعات، ومعدلات الفائدة والتضخم، والديون الخارجية. 
وكلما تحسنت هذه المؤشرات، يفترض أن تتحسن قيمة العملة المحلية، إلا أن تلك النماذج عادةً ما تظل محافظة بطبيعتها ولا تستجيب بسرعة للمتغيرات الإيجابية قصيرة الأجل.

بالإضافة إلى النماذج الكمية، تعتمد المؤسسات الدولية على أساليب إحصائية مثل نماذج "ARIMA" و"VAR" التي تدرس الاتجاهات التاريخية لسعر الصرف وتربطها بعوامل اقتصادية، إلى جانب تحليل سلوك الأسواق والمستثمرين من خلال متابعة تدفقات الاستثمارات الأجنبية وسوق السندات والأسهم.

على أرض الواقع، يشهد الاقتصاد المصري تحسنًا تدريجيًا في عدد من المؤشرات المهمة، أبرزها زيادة الصادرات، وتعافي السياحة، وارتفاع تحويلات المصريين بالخارج، إلى جانب تحسن التصنيف الائتماني والنظرة المستقبلية من مؤسسات مثل ستاندرد آند بورز.
كما انخفض معدل التأمين على الديون السيادية المصرية (CDS) إلى 340 نقطة فقط، وهو أدنى مستوى منذ أكثر من عشر سنوات، ما يعكس تراجع مخاطر التخلف عن السداد وثقة أكبر في قدرة الحكومة على إدارة التزاماتها المالية.
إلا أن التضخم المرتفع وهيكل الديون لا يزالان يمثلان تحديين رئيسيين أمام الجنيه، إلى جانب التأثيرات الخارجية الناتجة عن الاضطرابات الجيوسياسية العالمية، وأسعار النفط، وتحركات الفائدة في الولايات المتحدة، وهي عوامل خارجة عن السيطرة المحلية لكنها تؤثر بشكل مباشر على شهية المستثمرين الأجانب.

قراءة في التاريخ.. هل يعيد الجنيه سيناريوهات ما بعد التعويم؟
منذ بدء سياسة تحرير سعر الصرف في 2002، شهد الجنيه المصري فترات من التراجع الحاد يعقبها استقرار وتحسن تدريجي. وتشير الخبرات السابقة إلى أن الوصول إلى أدنى مستوى للعملة كان يتطلب نحو ثلاث سنوات بعد كل موجة تحرير، قبل أن تبدأ مرحلة جديدة من الاستقرار مع عودة الثقة وزيادة التدفقات الاستثمارية.

اليوم، ومع استمرار تنفيذ برامج الإصلاح الاقتصادي وتوسيع قاعدة الإنتاج المحلي وخفض معدلات الدين، تبدو الظروف مهيأة لتكرار هذا السيناريو الإيجابي، خصوصًا إذا تم الإسراع في برنامج الطروحات الحكومية واستكمال خطط جذب الاستثمارات الأجنبية.

بينما تستند المؤسسات الدولية إلى معادلات رقمية ونماذج تحليلية دقيقة، يبدو أن الواقع الاقتصادي المصري يتحرك بخطى أسرع مما تلتقطه هذه النماذج، ورغم وجود تحديات موضوعية، إلا أن تحسن المؤشرات المالية والائتمانية، واستقرار سعر الصرف، يعكسان أن رؤية المستثمر المحلي باتت أكثر تفاؤلًا من الرؤية الدولية.

المزيد