Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

منابر بلا عقل من فتاوى تحريم العطور إلى تحليل الجحيم.. عبقرية الفقه المتشدد

صورة أرشيفية

صورة أرشيفية

في الوقت الذي تسير فيه الإنسانية نحو التطور والتنوير، ما زالت بعض المنابر تصر على البقاء في ظلمات الفكر الجامد، تُعيد تدوير خلال التشدد، وتبث فتاوى تُصادر العقل وتُعادي الفن والحياة والجمال، باسم الدين.

فتاوى، تخرج من أفواه من يظنون أنفسهم أوصياء على السماء، تُحرم كل ما له علاقة بالفرح، وتدعو إلى كراهية الآخر، بل وتصل إلى حد هدم رموز الحضارة والتاريخ.

هكذا يتكرر المشهد منذ عقود، بين منبر يُكفّر العلم، وآخر يُهاجم الفن، وثالث يُحرّم العطور أو الضحك أو الاحتفال بعيد الأم، والمحصلة تشويه لصورة الإسلام الوسطى السمحة، وخلط بين الدين الصحيح والفكر المتشدد الذي يستند إلى الجهل لا إلى النص.

من تحريم العطور إلى تحطيم التماثيل

 

في إحدى أكثر الفتاوى غرابة، خرج أحد الدعاة السلفيين في التسعينيات، الشيخ محمد حسين يعقوب، ليُحرِّم على النساء استخدام العطور خارج المنزل، معتبرًا أن المرأة التي تتعطر وتخرج من بيتها تُعدّ زانية، وهي عبارة صادمة تعكس كيف تحوّل الخطاب الديني لدى بعض الدعاة إلى أداة للوصاية على المرأة وتحجيم دورها الاجتماعي.

ولم تكن تلك الفتوى الوحيدة، فقد أفتى الشيخ ياسر برهامي، نائب رئيس الدعوة السلفية، بتحريم تهنئة الأقباط بأعيادهم، معتبرًا أن ذلك مشاركة في الكفر، كما أفتى بتحريم الوقوف لتحية العلم أو أداء السلام الوطني لأنهما "تعظيم لغير الله"، وفق تعبيره.

وبرهامي نفسه أطلق فتاوى أخرى أكثر جدلًا، منها فتوى تلزم الزوجة بطاعة زوجها حتى في حال مرضها، وأخرى تُحرِّم مشاركة المرأة في الانتخابات إلا بإذن ولي أمرها

أما الشيخ أبو إسحاق الحويني، فقد اشتهر بسلسلة فتاوى غريبة بدت وكأنها تُحاكم الحياة، من تحريم الاحتفال بعيد الأم لأنه بدعة غربية، إلى تحريم التصوير الفوتوغرافي باعتباره "صناعة أصنام"، واعتبار مشاهدة المباريات الرياضية لهوًا يبعد عن العبادة.

ولم يبتعد الشيخ وجدي غنيم عن ذات النهج، إذ أصدر فتاوى تكفّر الفنانين والموسيقيين، ووصف الديمقراطية بأنها نظام كفري، بل وصل به الأمر إلى تحريم تهنئة غير المسلمين بأفراحهم، معتبرًا ذلك خيانة للعقيدة. 

في صدارة هذا التيار المتشدد، يبرز اسم القيادي الراحل في السلفية الجهادية مرجان سالم الجوهري، الذي أطلق واحدة من أكثر الفتاوى إثارة للذهول، حين دعا في عام 2013 إلى تحطيم تمثال أبو الهول والأهرامات وجميع التماثيل في مصر، بزعم أنها أوثان تُعبد من دون الله. 


هذه الدعوة التي تشبه ما فعله تنظيم طالبان في تماثيل بوذا، لم تكن مجرد رأي، بل تجسيد لمدى تغلغل الفكر المتشدد الذي يرى في التراث المصري العظيم "شركًا" لا حضارة.

أثارت فتواه وقتها موجة غضب عالمية، وخرج علماء الأزهر ليصفوها بأنها كارثة فكرية، مؤكدين أن الإسلام لم يأمر بهدم التماثيل التاريخية، بل دعا إلى صون العلم والحضارة.

لكن الضرر المعنوي الذي أحدثته تلك التصريحات كان كبيرًا، إذ أعطت صورة مشوهة للعالم عن الدين والمجتمع في مصر.

لم تسلم الفنون ولا المظاهر الجمالية من سيوف التحريم.
الشيخ عبد المنعم الشحات، أحد رموز الدعوة السلفية، وصف التمثيل بأنه حرام شرعًا، والممثلين بأنهم أدوات لنشر الفاحشة، بينما رأى أن السينما والمسرح يُلهيان الناس عن طاعة الله. 
بل وصل ببعضهم إلى تحريم التصوير بالكاميرا والموبايل، باعتباره تشبّهًا بخلق الله، وتحريم ارتداء الملابس التي تحمل شعارات أجنبية، وتحريم الاحتفال برأس السنة أو أعياد الميلاد باعتبارها "بدعًا تشبه الكفار".

وفي مشهد آخر من عبث الفتوى، خرج أحد الدعاة عبر أحد البرامج الدينية على القنوات الفضائية ليُحرِّم على المرأة الضحك بصوت مرتفع في الشارع، معتبرًا أن "ضحك المرأة فتنة. 
كما أفتى آخر بأن ركوب المرأة الدراجة أو قيادة السيارة يُنافي الحياء، رغم أن هذه الفتاوى لا تستند إلى أي نص شرعي أو قاعدة فقهية معتبرة.

الأزهر.. درع الوسطية وصوت العقل

في مواجهة هذا الطوفان من الفتاوى المتشددة، وقف الأزهر الشريف ودار الإفتاء المصرية كحصنٍ أخير لحماية الدين من التشويه.
وقد أصدر مرصد الأزهر لمكافحة الفكر المتطرف بيانات متكررة تحذر من فوضى الإفتاء، وتؤكد أن الفتوى مسؤولية علمية وأخلاقية لا يجوز أن تصدر إلا عن علماء مؤهلين، مشددًا على أن الفتاوى العشوائية تمثل خطرًا على الأمن الفكري والمجتمعي.

دار الإفتاء بدورها، أطلقت حملات متكررة لتصحيح المفاهيم المغلوطة، أبرزها حملة افتحوا العقول التي أكدت فيها أن الإسلام لا يُعادي الفنون ولا الجمال، بل يعتبرهما جزءًا من نعمة الله على الإنسان، وأن الدين الحنيف جاء ليُصلح لا ليهدم، ويُحرر لا ليقيد.

وأكدت الدار في بياناتها أن فتاوى مثل تحطيم التماثيل أو تحريم تهنئة الأقباط تسيء إلى الإسلام وتُفرغ رسالته من مضمونها الإنساني.

الإعلام.. السلاح الموازي ضد فوضى الفتاوى

لعب الإعلام المصري خلال العقد الأخير دورًا بارزًا في كشف وتفنيد تلك الفتاوى الشاذة.
فبرامج التوك شو ومواقع الأخبار تصدت للموجة السلفية التي اجتاحت المنابر عقب عام 2011، حين وجدت الجماعات المتشددة في الفوضى السياسية فرصة لتسويق أفكارها.
وقد واجه الإعلام هذه الفتاوى بالمنطق والعلم، واستضاف علماء معتدلين من الأزهر ودار الإفتاء لتوضيح أن الإسلام دين رحمة، لا كراهية، وأن الفكر المتشدد ليس إلا “انتحالًا لصفة الدين”.

وبفضل تلك المواجهة الإعلامية، تراجع حضور الدعاة المتشددين على الشاشات، وتم حظر عدد من القنوات التي كانت تبث خطابات الكراهية، في إطار جهود الدولة لإعادة الانضباط إلى الخطاب الديني والإعلامي.

فتاوى الجهل.. وأثرها على وعي المجتمع

الفتاوى المتشددة كانت وما زالت وسيلة للهيمنة على العقول، فالدعاة الذين يُحرّمون كل شيء لا يسعون لحماية الدين، بل لاستخدامه كأداة للسيطرة الفكرية والنفسية، وجعل الأفراد أسرى للشعور بالذنب والخوف من العقاب.

ويولد هذا الخطاب جيلًا يكره الاختلاف، ويرى الفن والعلم والانفتاح الثقافي محرمات ويغلق الباب أمام الإبداع والابتكار.

المزيد