في خضم حالة من الترقب الاقتصادي والبحث عن حلول غير تقليدية والتوسع في الاستثمارات المباشرة، أعلنت الحكومة، عن توقيع صفقة استثمارية جديدة بين هيئة المجتمعات العمرانية الجديدة وشركة الديار القطرية، لتطوير منطقة علم الروم بمحافظة مطروح، بقيمة بلغت 3.5 مليار دولار، صفقة وصفت بأنها دفعة قوية لجذب الاستثمارات الأجنبية، وتأتي استكمالًا لمسار بدأته الدولة مع صفقة رأس الحكمة التي بلغت قيمتها نحو 35 مليار دولار، والتي اعتبرت حينها أضخم اتفاق استثماري في تاريخ مصر الحديث.
ورغم أن هذه الصفقات وصفت بأنها بارقة أمل للاقتصاد المصري وبوابة لتدفق استثمارات أجنبية ضخمة، فإن المواطن لم يشعر حتى الآن بثمارها، إذ لم ينعكس أي تحسن فعلي على الأسعار أو مستوى المعيشة، وسرعان ما تبدد هذا الأمل، ليبقى السؤال مطروحًا، لماذا لا يشعر المواطن بثمار المليارات؟، وهل أصبحت تلك الاتفاقيات أرقامًا تُكتب على الورق أكثر مما هي خطط تنموية محسوسة في الواقع؟
وفي ذات السياق، قالت الدكتورة عالية المهدي، عميد السابق لكلية الاقتصاد والعلوم السياسية جامعة القاهرة والخبيرة الاقتصادية، إن المواطن المصري لا يشعر حتى الأن بالعائد الحقيقي من الصفقات والاستثمارات الكبرى التي تنفذها الدولة، مثل صفقة رأس الحكمة مرورا بعلم الروم، لأن هذه الاتفاقيات تفتقر إلى الشفافية والشروط المحددة التي تضمن مردودًا اقتصاديًا ملموسًا على المدى الطويل.
وأوضحت «المهدي» في تصريحات صحفية لموقع «المحروسة» أن أي عقد أو اتفاقية استثمارية يجب أن تتضمن بنودًا واضحة وجدولًا زمنيًا دقيقًا لما سيتم إنفاقه ومتى سيتم تنفيذ المشروعات
وأكملت أنه في صفقة رأس الحكمة قيل إن المستثمرين سيشترون الأرض مقابل 34 مليار دولار، وسينفقون على المشروع نحو 320 مليار دولار، لكن هذه مجرد أرقام لا تترجم على أرض الواقع ما لم تحدد تفاصيل التنفيذ، كأن يقال إن جزءًا من المبلغ على سبيل المثال سيضخ خلال خمس سنوات، مع توضيح كم سيتم إنفاقه في كل عام، وهو ما لا يحدث عادة في اتفاقياتنا.
وأضافت أن الاحتفاء بالأرقام الكبيرة دون التطرق إلى تفاصيل التنفيذ وآليات المتابعة يجعل المواطن لا يشعر بأي تغيير فعلي في حياته اليومية.
وأكدت أن الفرحة بالعائد السريع لا تغني عن ضرورة وجود خطة واضحة وجدول إنفاق محدد، مشددة على أهمية أن تكون العقود صارمة ومحددة الشروط، وأن يتم استبدال نظام البيع الكامل للأراضي بنظام حق الانتفاع، الذي يضمن للدولة الحفاظ على أصولها مع تحقيق عائد مستمر.
وأشارت إلى أنه في أغلب الدول المتقدمة، مثل إنجلترا، لا تُباع الأراضي للمستثمرين بيعًا نهائيًا، وإنما تُخصص لهم بحق انتفاع لمدة زمنية محددة، وهو نظام يحافظ على ملكية الدولة لأراضيها ويضمن في الوقت ذاته استدامة الاستثمار.
وأشارت الخبيرة الاقتصادية إلى أن غياب الشفافية والتفاصيل الدقيقة في الصفقات الكبرى يؤدي إلى ضعف ثقة المواطن، موضحة أن الاقتصاد لا يقوم فقط على جذب الاستثمارات، بل على إدارة هذه الاستثمارات بوضوح ومساءلة تضمن استفادة حقيقية للمجتمع.
ولفتت إلى أن المرحلة الحالية تتطلب نهجًا جديدًا في صياغة العقود الاستثمارية، يقوم على الوضوح والمصارحة، وأن تكون العقود أداة لتحقيق تنمية حقيقية يشعر بها المواطن في الأسعار وفرص العمل ومستوى المعيشة.