في وقت يشهد فيه العالم تقلبات حادة بأسواق الطاقة وتراجعًا في إنتاج النفط لدى العديد من الدول، تبرز التجربة المصرية كحالة خاصة تمزج بين الانخفاض الطبيعي في معدلات الإنتاج الخام وبين نجاح لافت في تطوير صناعة التكرير والتحول إلى منتجات ذات قيمة مضافة، فبينما يسجل الإنتاج النفطي المحلي أدنى مستوى له منذ نحو نصف قرن، إلا أن الصورة الكاملة تبدو أكثر اتزانًا، إذ لم يعد حجم الإنتاج وحده هو المؤشر الحقيقي لقوة القطاع، بل قدرة الدولة على تعظيم الاستفادة من كل برميل يُنتج داخل حدودها.
ورغم أن إنتاج مصر من النفط تراجع إلى حدود 507 آلاف برميل يوميًا، فإن ذلك يأتي في ظل تحول استراتيجي تشهده المنظومة البترولية، قوامه تحديث المصافي القديمة، وإنشاء وحدات التكسير الهيدروجيني، والتوسع في تكرير الخام محليًا لتقليل فاتورة الاستيراد.
وبينما كان المازوت يومًا عبئًا على الصناعة والبيئة، أصبح اليوم مصدرًا لتحويل اقتصادي ذي قيمة، يعكس نقلة نوعية في فكر إدارة الموارد البترولية من مجرد إنتاج إلى إعادة تصنيع وتوظيف بأعلى كفاءة.
وفي ذات السياق، قال الدكتور حافظ السلماوي، أستاذ هندسة البترول، إن إنتاج مصر من النفط وصل إلى أدنى مستوى له منذ 47 عامًا ليسجل نحو 507 آلاف برميل يوميًا، مشيرًا إلى أن هذا التراجع يُعد طبيعي بالنظر إلى تطورات السوق والظروف الإنتاجية.
وأوضح «السلماوي» في تصريحات خاصة لموقع «المحروسة» أن أعلى معدل إنتاج حققته مصر بلغ نحو 700 ألف برميل يوميًا، بينما كان المتوسط العام في حدود 550 ألف برميل يوميًا، وهو ما يجعل الانخفاض الحالي في إطار النطاق الطبيعي، خاصة أن الإنتاج المحلي ظل لسنوات يُغطي ما يقرب من 70% من احتياجات البلاد النفطية، فيما يتم استيراد النسبة المتبقية لتغطية الطلب المحلي.
وأضاف أن التحدي الأكبر الذي كانت تواجهه مصر في السابق هو قدم تكنولوجيا معامل التكرير، إذ كانت تعتمد على الجيل الأول من المصافي، وهو ما كان يؤدي إلى ارتفاع نسبة إنتاج المازوت لتصل إلى نحو 50% من إجمالي المنتجات البترولية المكررة، بينما تُنتج النسبة المتبقية مواد عالية القيمة مثل البنزين والكيروسين والسولار.
وأكد أن الدولة نفذت خلال السنوات الماضية برنامجًا متكاملًا لتطوير معامل التكرير، استهدف رفع كفاءة التشغيل وتحسين جودة المنتجات، من خلال إنشاء وتحديث وحدات التكسير الهيدروجيني في معامل مثل أسيوط والسويس، الأمر الذي مكّن المصافي من تحويل المازوت إلى منتجات بترولية مرتفعة القيمة.
وأشار السلماوي إلى أنه مع اكتمال تلك المشروعات، أصبحت مصر قادرة على إنتاج معظم احتياجاتها من المنتجات البترولية محليًا، ومن ثم ستتجه إلى استيراد النفط الخام فقط لتكريره محليًا بدلًا من استيراد المنتجات النهائية، موضحًا أنه سيظل هناك عجز بنحو 30% من احتياجات السوق المحلية يتم تغطيته من خلال استيراد الخام.
وتطرق إلى أن المصفاة الجديدة التابعة لشركة القاهرة لتكرير البترول، ضمن مجموعة القلعة، تُعد من أبرز المشروعات التي تعمل بتقنية التكسير الهيدروجيني، وتسهم في زيادة الطاقة الإنتاجية من البنزين والسولار، وتقليل الاعتماد على المازوت.
وعن تأثير تراجع إنتاج النفط على استهلاك الطاقة في مصر، أوضح «السلماوي» أن الاستهلاك الموجه للكهرباء يعتمد بشكل رئيسي على الغاز الطبيعي، وليس المازوت كما كان في السابق، حيث كانت محطات الكهرباء تستهلك نحو 3 ملايين طن من المازوت سنويًا قبل التحول لاستخدام الغاز.
وأكد أن وزارة البيئة أصدرت قرارات تمنع استخدام المازوت في المصانع والطوب، لما له من آثار بيئية سلبية، مشددًا على أن اقتصاديات تشغيل محطات الكهرباء بالغاز الطبيعي أكثر كفاءة وأقل تكلفة مقارنة بالمازوت، الذي كان يُستخدم سابقًا لسهولة توافره وسرعة تشغيله.
وأكد أستاذ هندسة البترول أن تراجع إنتاج النفط الحالي لن يؤثر على توازن سوق الطاقة في مصر، نظرًا لاعتمادها المتزايد على الغاز الطبيعي في توليد الكهرباء والصناعة، إلى جانب التطوير المستمر في معامل التكرير الذي يعزز من الاكتفاء الذاتي في المنتجات البترولية عالية القيمة.