تتزايد التحديات الصحية في عصرنا، ويشهد المجتمع المصري تصاعدًا ملحوظًا في معدلات الأمراض المزمنة والمعدية، وهنا يبرز الدواء كعنصر حاسم في منظومة الأمن الصحي.
غير أن هذا الدور الحيوي بات مهددًا بانتشار ظاهرتي غش وتهريب الأدوية، اللتين تمثلان خطرًا مباشرًا على حياة المواطنين، وانتهاكًا صريحًا للحق الدستوري في العلاج الآمن، فضلًا عن كونهما أحد أخطر أشكال الجريمة الاقتصادية المنظمة.
وتشير تقارير حديثة لمنظمة الصحة العالمية إلى أن نحو 10% من الأدوية المتداولة في الدول منخفضة ومتوسطة الدخل إما مغشوشة أو دون المواصفات القياسية، وترتفع النسبة في بعض المناطق إلى أكثر من 20%، خاصة في الأسواق التي تعاني ضعف الرقابة وغياب أنظمة التتبع.
وهذه الأدوية المغشوشة لا تؤدي فقط إلى فشل العلاج، بل تسهم في زيادة معدلات الوفيات، وتفاقم ظاهرة مقاومة الميكروبات للمضادات الحيوية، ما يشكل تهديدًا عالميًا للصحة العامة.
وفي مصر، ورغم الجهود التي بذلتها الدولة خلال السنوات الأخيرة لإعادة تنظيم سوق الدواء، لا سيما بعد إنشاء هيئة الدواء المصرية بموجب القانون رقم 151 لسنة 2019، تشير تقديرات مهنية ونقابية إلى أن نسبة الأدوية المغشوشة والمهربة لا تزال تتراوح بين 10 و15% من حجم السوق.
وتكمن خطورة هذه النسبة في أن الغش لا يقتصر على مستحضرات ثانوية، بل يمتد أحيانًا إلى أدوية منقذة للحياة، وأدوية الأمراض المزمنة، والمستحضرات التي تُصرف دون إشراف طبي مباشر.
وتتعدد أسباب انتشار غش الأدوية، ويأتي في مقدمتها ضعف الرقابة في بعض حلقات سلسلة الإمداد الدوائي، ووجود سوق موازية خارج الإطار الرسمي، إلى جانب ارتفاع أسعار بعض الأصناف أو اختفائها المؤقت من الصيدليات، ما يدفع المرضى إلى اللجوء لمصادر غير موثوقة.
كما ساهم التطور التقني في تقنيات الطباعة والتغليف في تسهيل تقليد العبوات الأصلية، بحيث يصعب في كثير من الأحيان التفرقة بين الدواء السليم والمغشوش حتى على بعض المتخصصين.
وتُصنّع الأدوية المغشوشة داخل البلاد في أماكن غير مرخصة تُعرف شعبيًا بـ«مصانع بير السلم»، وهي ورش أو مخازن مخالفة لا تخضع لأي اشتراطات صحية أو فنية، وتعمل خارج نطاق القانون رقم 127 لسنة 1955 بشأن مزاولة مهنة الصيدلة.
ويُستخدم في هذه الأماكن عمالة غير مؤهلة، وتُخلط المواد الفعالة، إن وُجدت، بمواد رخيصة أو غير دوائية، وأحيانًا بمواد ضارة، دون إجراء أي اختبارات جودة أو سلامة.
وتتبع مرحلة التصنيع عمليات تعبئة وتغليف لا تقل خطورة، حيث تُستخدم عبوات مزيفة أو يُعاد تدوير عبوات أصلية، مع تزوير بيانات التشغيل وتواريخ الصلاحية وأرقام التسجيل، بما يمنح المنتج مظهرًا قانونيًا مضللًا.
ومن ثم تُطرح هذه الأدوية في الأسواق عبر قنوات متعددة، تشمل بعض الصيدليات الخاصة ضعيفة الرقابة، والأسواق الشعبية، والمنصات الإلكترونية، في ظل غياب أو محدودية تطبيق منظومة إلكترونية شاملة، لتتبع الدواء من مصدره حتى وصوله للمستهلك.
وتوازيًا مع الغش الداخلي، تتفاقم ظاهرة تهريب الأدوية إلى داخل مصر ومنها، في مخالفة صريحة لقوانين الجمارك والدواء، تُهرّب إلى الداخل أدوية غير مسجلة أو محظورة، ومستحضرات تجميل ومكملات غذائية ومنشطات جنسية، إضافة إلى أدوية مخدرة تُستخدم خارج الإشراف الطبي، مستفيدة من الطلب المرتفع والفجوات السعرية.
كما تُهرّب كميات من الأدوية المصرية إلى دول تعاني نقصًا حادًا في الدواء أو تشهد نزاعات مسلحة، مثل السودان وليبيا وسوريا، مستغلين الفارق الكبير في الأسعار لتحقيق أرباح غير مشروعة.
وتتم عمليات التهريب عبر شبكات منظمة تستخدم منافذ برية وبحرية وجوية، من بينها مناطق حدودية معروفة، فضلًا عن الموانئ والمطارات، عبر أساليب تمويه متقدمة وتزوير مستندات الشحن، ما يستدعي تنسيقًا أكبر بين الجهات المعنية، وفي مقدمتها هيئة الدواء المصرية، ومصلحة الجمارك، ووزارة الداخلية.
ولا شك في انعكاس هذه الممارسات سلبًا على الصحة العامة، حيث تؤدي إلى فشل العلاج، وتفاقم الحالات المرضية، وارتفاع معدلات المضاعفات والوفيات، فضلًا عن تقويض ثقة المواطنين في النظام الصحي، وإلحاق خسائر مباشرة بصناعة الدواء الوطنية والاقتصاد القومي.
وفي ضوء هذه التحديات، تبرز الحاجة إلى اعتماد استراتيجية مواجهة شاملة تقوم على تشديد الرقابة والتفتيش، وتفعيل منظومة التتبع الإلكتروني للأدوية، وتحديث التشريعات لتغليظ العقوبات المنصوص عليها في قوانين الصيدلة والجمارك، وإدراج جرائم غش وتهريب الدواء ضمن الجرائم الاقتصادية الجسيمة، بل اعتبارها من أخص الجرائم الماسة بالأمن القومي.
كما يبقى رفع وعي المواطن -باعتباره خط الدفاع الأول- بخطورة شراء الأدوية من مصادر غير رسمية، عنصرًا أساسيًا في حماية الأمن الصحي، فحماية الدواء ليست مسألة فنية فحسب، بل قضية أمن قومي وحق أصيل من حقوق الإنسان، كما أنه حق دستوري حسب المادة 18 من الدستور المصري التي تكفل حق الإنسان في العلاج الآمن.
ومن محاور التوعية، حملات التثقيف الصحي والإعلامية أهمية قصوى، إذ يجب توعية الجمهور بخطر شراء الأدوية من مصادر غير رسمية، أو عبر الإنترنت - وتشجيع الإبلاغ عن أي نشاط مشبوه.
كما يلزم دعم التصنيع المحلي الموثوق من خلال تشجيع المصانع الوطنية على إنتاج أدوية ذات جودة عالية بأسعار مناسبة، لتقليل الاعتماد على الواردات التي قد تتعرض للتهريب أو الغش.
والله من وراء القصد،،،
تحيا مصر، شعبًا وقيادة،،،