Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

على حافة الانفجار.. هل بدأ العد التنازلي لضربة أمريكا لإيران؟

اللواء د. رضا فرحات أستاذ العلوم السياسية

الدكتور رضا فرحات

الدكتور رضا فرحات

في لحظة شديدة الحساسية إقليميا ودوليا، عاد الملف الإيراني ليتصدر المشهد العالمي من جديد، بعد تصريحات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب التي  كشف فيها أن واشنطن كانت على وشك تنفيذ هجوم عسكري ضد إيران، قبل أن يتم تأجيله نتيجة اتصالات ومشاورات إقليمية قادتها السعودية وقطر والإمارات، بالتزامن مع استمرار مفاوضات وصفها ترامب بـ”الجدية” بشأن البرنامج النووي الإيراني.

هذه التصريحات لا يمكن التعامل معها باعتبارها مجرد رسائل إعلامية أو مناورة سياسية عابرة، لكنها تعكس بوضوح أن المنطقة تقف بالفعل على حافة تحول استراتيجي بالغ الخطورة، وأن الساعات أو الأيام المقبلة قد تحمل أحد مسارين لا ثالث لهما: إما انفراجة تفاوضية مؤقتة تؤجل الانفجار، أو انتقال فعلي إلى مرحلة التصعيد العسكري المباشر.

الملاحظ في تصريحات ترامب أنها حملت ثلاثة أبعاد شديدة الأهمية الأول أن قرار الضربة كان موجودا بالفعل وليس مجرد تهديد نظري، والثاني أن دولا خليجية رئيسية تدخلت لمنح المسار التفاوضي فرصة أخيرة، والثالث أن واشنطن لم تعد تتحدث فقط عن تقييد البرنامج النووي الإيراني، وإنما عن ضمانات كاملة تمنع إيران من امتلاك أي قدرة نووية عسكرية مستقبلا.

وهنا يجب الانتباه إلى نقطة جوهرية، وهي أن الإدارة الأمريكية تدرك أن امتلاك إيران للسلاح النووي لا يمثل تهديدا لإسرائيل فقط، بل يهدد التوازن الاستراتيجي الكامل في الشرق الأوسط، ويفتح الباب أمام سباق تسلح إقليمي غير مسبوق، لذلك فإن واشنطن تتعامل مع هذه القضية باعتبارها خطا أحمر لا يمكن تجاوزه مهما كانت تكلفة المواجهة.

لكن في المقابل، تبدو إيران أيضا أكثر تشددا وتعقيدا من أي وقت مضى، طهران تدرك أن التراجع الكامل الآن يعني خسارة أهم أوراق قوتها الإقليمية، كما أن القيادة الإيرانية تنظر إلى مشروعها النووي باعتباره جزءا من معادلة الردع والبقاء، خصوصا في ظل الضغوط الاقتصادية والعقوبات الغربية ومحاولات محاصرتها استراتيجيا.

لذلك فإن الحديث عن “اتفاق مقبول” لا يعني بالضرورة أن الطريق أصبح ممهدا للتسوية، لأن جوهر الأزمة لا يتعلق فقط بنسبة تخصيب اليورانيوم أو آليات التفتيش الدولي، بل يرتبط بصراع أوسع على النفوذ الإقليمي وترتيبات القوة في الشرق الأوسط خلال السنوات المقبلة.

اللافت أيضا أن تصريحات ترامب جاءت في توقيت بالغ الحساسية، بالتزامن مع اشتعال أكثر من جبهة في المنطقة، سواء في غزة أو البحر الأحمر أو الساحة اللبنانية والسورية، وهو ما يعزز فرضية أن أي مواجهة محتملة مع إيران لن تكون معزولة عن بقية الملفات، بل قد تشعل المنطقة بالكامل بصورة غير مسبوقة.

ومن هنا، فإن تأجيل الضربة لا يعني إلغاءها، بل ربما يكون جزءا من إعادة ترتيب المشهد العسكري والسياسي تمهيدا لتحرك أكبر وأكثر شمولا ، فالإدارات الأمريكية عادة لا تكشف عن نواياها العسكرية بهذا الوضوح إلا عندما تكون الرسالة مقصودة وموجهة، سواء للضغط على طهران أو لتهيئة الرأي العام الدولي لأي تحرك قادم.

كما أن الربط بين الضربة المحتملة وبين “أحداث أخرى على عدة جبهات” يبدو منطقيا إلى حد بعيد، لأن واشنطن تدرك أن أي عمل عسكري ضد إيران يحتاج إلى بيئة إقليمية واستراتيجية محسوبة بدقة، خصوصا أن طهران تمتلك شبكة واسعة من الحلفاء والأذرع المسلحة القادرة على توسيع دائرة الصراع في أكثر من اتجاه.

في تقديري، ما يحدث الآن أقرب إلى إدارة للوقت وليس تسوية نهائية، الولايات المتحدة تمنح المفاوضات فرصة أخيرة، لكنها في الوقت نفسه تتحرك عسكريا وتجهز سيناريوهات التصعيد أما إيران فتحاول كسب مزيد من الوقت دون تقديم تنازلات جوهرية تمس جوهر مشروعها الاستراتيجي.

لكن الأزمة الحقيقية تكمن في أن هامش المناورة يضيق سريعا، وكل طرف بات يدرك أن الوصول إلى نقطة اللاعودة أصبح احتمالا قائما بقوة لذلك فإن المنطقة تدخل مرحلة شديدة الخطورة، عنوانها الرئيسي أن أي خطأ في الحسابات قد يقود إلى مواجهة واسعة لن تتوقف تداعياتها عند حدود إيران أو الخليج فقط، بل ستمتد إلى الاقتصاد العالمي وأمن الطاقة والاستقرار الدولي بأكمله.

ويبقى السؤال الأهم: هل تنجح الدبلوماسية في انتزاع اتفاق اللحظة الأخيرة؟ أم أن الشرق الأوسط بات بالفعل أمام العد التنازلي لمواجهة كبرى قد تعيد رسم خريطة القوة والنفوذ في المنطقة لعقود قادمة؟

المزيد