مرت قمة شرم الشيخ بسلام من أرض السلام ونجحت فى إتمام اتفاق السلام، وكان أكبر نجاحاتها إظهار الفارق بين من يقود ومن يدير.
فمنذ أقل من شهر خرجت الأصوات وتعالت وأكدت وصرحت أن مصر فقدت مكانتها ولم يعد لها أى زعامة أو ثِقل بالمنطقة، لينجح الرئيس عبدالفتاح السيسي ويؤكد أن مصر فى قلب المشهد الإقليمي والدولي بعد سنوات من التشكيك فى قدرة القاهرة فى استعادة مكانتها، ليأتي الواقع الذي يُخرس الجميع ويؤكد أنها مصر الوحيدة والقادرة على رسم الصورة وصياغة رسائلها بزعامتها وقوتها وحضورها ونفوذها الدولي والإقليمي.
هذه مصر وهذا رئيسها وقائدها ضرب أروع الأمثلة فى القيادة وأظهر الفارق بين من يقود ومن يدير، فبينما نجح السيسي، تجد من ناحية أخري من يدير ويتسبب في دك فرحة المصريين برئيسهم، بقرارات غير مدروسة، وكأنه يعشق أن يٌنكد على المواطنين، بعد فرحتهم بقمة شرم الشيخ واصطفاف قادة وزعماء العالم خلف الرئيس السيسي فى مشهد لن ينساه التاريخ ودرس لن يغفله المتربصون.
منذ تولّي الدكتور مصطفى مدبولي رئاسة الحكومة، والمواطن المصري يعيش حالة غير مسبوقة من التوتر الاقتصادي، عنوانها الغلاء، ووقودها القرارات الحكومية البعيدة كل البعد عن الواقع المعيشي للناس، وأعتقد وغيري أن المواطنين تحملوا هذه القرارات، فقد تحوّل الملف الاقتصادي في عهد هذه الحكومة من أملٍ في الإصلاح إلى سلسلة من التجارب غير المتكاملة، تُدار بعقلية بيروقراطية تفتقر إلى الرؤية الشاملة.
من أبرز ملامح فشل الحكومة هو غياب التناسق بين السياسات المالية والنقدية، فبينما تتحدث الحكومة عن جذب الاستثمار، تتخذ في الوقت نفسه قرارات تُضعف الثقة في السوق، وتزيد من أعباء المنتج والمستهلك على السواء.
القرارات الحكومية الأخيرة من رفع الأسعار بشكل متتالٍ إلى تحرير الخدمات وتقليص الدعم لم تراعِ البعد الاجتماعي، ولم تضع في اعتبارها الفجوة المتزايدة بين دخول المواطنين وتكاليف معيشتهم، وبات واضحًا أن المواطن هو من يدفع ثمن فشل السياسات الاقتصادية، بينما يغيب عن المشهد أي حديث جاد عن العدالة الاجتماعية أو تحسين جودة الحياة.
أخر هذه القرارات التي نكدت على المصريين فرحتهم بقمة شرم الشيخ، قرار رفع أسعار السولار والبنزين للمرة الثانية هذا العام، بقيمة جنيهين، وشملت زيادة الأسعار جميع أنواع البنزين والسولار، حيث بلغت نسب الزيادة نحو 11.6%.
الحكومة توقعت أن توفرهذه الزيادة 28 مليار جنيه أي ما يقارب من 588.4 مليون دولارمن ميزانية الدولة خلال العام المالي 2025-2026، فضلا عن بيان الحكومة الذي تبع الزيادة وأكد أنه سيتم تثبيتها لمدة عام فى الوقت الذي كان قد صرح فيه رئيس مجلس الوزراء بأن زيادة أكتوبر التي حدثت ستكون آخر زيادة كبيرة ليتدراك السؤال إلى ذهن أى مواطن مصري : لماذا يا رئيس الوزراء تطفئ فرحتنا بقمة شرم الشيخ وبرئيسنا؟.
أعتقد أن قمة شرم الشيخ التي قادها الرئيس السيسي وقرار الدكتور مدبولي والحكومة الحالية بتحريك أسعار المواد البترولية كشف النقاب عن شئ مهم، وهو الفارق بين من يقود كقيادة حقيقية ويعي لكل الأبعاد وبين من يدير دون أن يدرس أو يفكر، وأعتقد أن الحكومة ستُجيد تبرير قراراتها الخاطئة أكثر مما ستُجيد تصحيحها، فكل إخفاق يُقابل بتصريحات مطمئنة لا تترجم إلى أفعال، وكل أزمة تُبرّر بظروف عالمية، وكأن الداخل المصري بريء من الخلل.
إن المشكلة ليست في الأسماء بقدر ما هي في العقلية التي تُدير الدولة فالإصلاح الاقتصادي الحقيقي يبدأ من الاعتراف بالفشل، وإعادة بناء السياسات على أسس العدالة والإنتاج، لا على فرض الأعباء على المواطن، وأعتقد أن الحكومة الحالية كلها لا تستطيع مجاراة فكر الرئيس ولا طموحاته، وأثبتت السنوات الأخيرة أن استمرار النهج ذاته يعني ببساطة استمرار الأزمة ذاتها، وأن مصر تحتاج حكومة لديها رؤية جديدة تُعيد التوازن بين الإصلاح المالي والحماية الاجتماعية وأن المواطن أدرك جيدا أن هناك فارق كبير من من يقود ومن يدير وبين من هو حريص على رفع اسم مصر وبين من حريص على رفع الدعم.