Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

جمهورية السُياس المتحدة: قانون على الرف والتنفيذ على الترابيزة

من الحكومة إلى الرصيف... العدوى الإدارية مستمرة

جمهورية السُياس المتحدة: قانون على الرف والتنفيذ على الترابيزة

جمهورية السُياس المتحدة: قانون على الرف والتنفيذ على الترابيزة

على أرصفة القاهرة الكبرى، لا تخطئ العين مشهد "السيّاس" الذين ينتشرون في الشوارع الجانبية والمناطق الحيوية، ينادون، يوجّهون، ويحصّلون "إتاوة" غير رسمية مقابل ركن السيارات.

ظاهرة تبدو عادية، لكنها تخفي خلفها شبكة معقدة من المصالح والفراغ التشريعي، حولت مهنة تنظيم السيارات من خدمة مجتمعية إلى مصدر قلق دائم للسائقين، وساحة مفتوحة للتجاوزات.

وفي محاولة لفهم أسباب تفشي الظاهرة، أجرى موقع المحروسة جولة ميدانية في عدد من المناطق، لرصد واقع "السيّاس" على الأرض، والاستماع إلى أصوات السائقين، والمسؤولين، وحتى بعض العاملين في المهنة أنفسهم، في محاولة للإجابة على السؤال الأهم، لماذا فشلت الجهود في ضبط هذا الملف حتى الآن؟

صدر قانون تنظيم انتظار المركبات رقم 150 لسنة 2020 ليضع حدًا للفوضى، ويُلزم كل “سيّاس” بالحصول على ترخيص رسمي.
لكن، كما كشفت رصد موقع “المحروسة”، لم تُطبق بنوده إلا جزئيًا في بعض المحافظات، وظلت الشوارع تعج بالعاملين غير المرخصين.

وفي سياق متصل، كشف مسؤول بمحافظة الجيزة لـ"المحروسة" أن المحافظة بدأت بالفعل في تطبيق المرحلة الأولى من منظومة تراخيص مهنة السيّاس في عدد من المناطق، ضمن خطة تهدف إلى إنهاء الفوضى وتنظيم عملية انتظار السيارات في الشوارع العامة.

المصدر أوضح أن التنفيذ على الأرض ما زال يواجه تحديات كبيرة تتعلق بالرقابة اليومية واستمرارية المتابعة، في ظل طبيعة المهنة المتغيرة وصعوبة السيطرة على جميع الشوارع في وقت واحد.

وأضاف أننا بدأنا بالفعل في إصدار تراخيص محدودة للعاملين في بعض المناطق، لكن المشكلة ليست في الترخيص نفسه، بل في المتابعة اليومية.

وأوضح المسؤول أن المحافظة تعمل حاليًا على توسيع نطاق التراخيص لتشمل مناطق جديدة، مع وضع آلية أكثر دقة لمتابعة العاملين المرخصين وغير المرخصين، بالتنسيق مع الإدارات المحلية وأجهزة الأمن.

وأشار إلى أن غياب قاعدة بيانات دقيقة للعاملين في المهنة يُعد من أبرز العقبات التي تواجه تنفيذ القانون، إذ يصعب التفرقة بين من يحمل تصريحًا رسميًا ومن يمارس النشاط بشكل عشوائي.

وأضاف أن بعض العاملين يتنقلون بين المناطق للهروب من الملاحقات الأمنية أو لتجنب الرقابة، وهو ما يجعل من الصعب فرض نظام دائم ومستقر، مشددًا على ضرورة وضع آلية موحدة على مستوى الجمهورية تضمن تسجيل كل سيّاس بشكل رسمي ومعتمد.

وأكد المصدر أن الهدف من الجهود الحالية ليس التضييق على المواطنين أو قطع أرزاق البسطاء، بل تحويل المهنة من ممارسة عشوائية إلى نشاط منظم ومشروع يخضع للرقابة ويحقق فائدة لجميع الأطراف.
تنفذ الأجهزة الأمنية حملات متكررة لضبط "السيّاس" غير المرخصين في مختلف المناطق، غير أن الظاهرة سرعان ما تعود لتنتشر من جديد.

وفي سياق أخر قال مصدر أمني لـ"المحروسة" إنة كلما نفذنا حملة لضبطهم، يعودون بعد أيام قليلة موضحا أن المسألة لم تعد أمنية فقط، بل تحوّلت إلى ظاهرة اجتماعية تحتاج إلى تنظيم حقيقي لا إلى المواجهة وحدها.

وأوضح المصدر أن بعض هؤلاء السيّاس يعملون ضمن شبكات غير رسمية تستغلهم في جمع الأموال بطرق غير مشروعة، وأحيانًا في مراقبة المارة والمحال التجارية، وهو ما يزيد من خطورة استمرار الظاهرة دون إطار قانوني واضح ينظم المهنة ويحدّ من تجاوزاتها.

️ جولة "المحروسة" من الميدان إلى الحقيقة

انطلاقًا من انتشار الظاهرة واتساعها، قام موقع "المحروسة" بجولة ميدانية في عدد من المناطق الحيوية بالقاهرة والجيزة شملت وسط البلد، مدينة نصر، المهندسين، والهرم لرصد واقع مهنة "السيّاس" على الأرض، والبحث في أسباب انتشارها بهذا الشكل اللافت.

وخلال الجولة، لاحظ فريق “المحروسة” أن الظاهرة تتباين من حي إلى آخر:

ففي المناطق الراقية، أصبحت “الإتاوة” شبه إلزامية، بأسعار قد تصل إلى 100 جنيه في الساعة، بينما في الأحياء الشعبية يكتفي السيّاس بعشرة جنيهات رمزية، لكنها في النهاية فرض واقع لا يمكن تجاوزه.
وسجّل الفريق شهادات مواطنين اشتكوا من أن بعض السيّاس يملكون نفوذًا على الأرض، ويتصرفون وكأن الشوارع “ملك خاص”، في غياب رقابة حقيقية من المحليات أو الشرطة.

لكنّ اللافت أن عددًا من السيّاس الذين تحدث إليهم فريق “المحروسة” أكدوا أنهم يدفعون مقابل “المكان” لجهات غير رسمية، بعضهم قال صراحة: “الشارع مش مجاني بندفع علشان نشتغل فيه، وكل شارع له كبير”.
هكذا تحوّل الرصيف إلى سوق له ملاك خفيون، و"السيّاس" مجرد حلقة في سلسلة أطول من الفوضى.

اقتصاد الظل "اموال الشارع" بلا ضرائب ولا رقابة

يوم واحد في شوارع القاهرة يكشف حجم الأموال المتداولة خارج إطار الدولة.
“المحروسة” قدّرت من خلال جولات ميدانية أن متوسط ما يجنيه السيّاس الواحد يتراوح بين 400 و800 جنيه يوميًا في المناطق الحيوية، وهو رقم ضخم بالنظر إلى عددهم الذي يُقدّر بالآلاف.

أوضحت الإحصاءات غير الرسمية إن حجم الاقتصاد غير الرسمي في مصر يتجاوز نحو 40% من الناتج المحلي، ويُعد “السيّاس” أحد أبرز مظاهره اليومية.
أموال تُجمع نقدًا، دون إيصالات، دون ضرائب، ودون تنظيم.
إنه اقتصاد موازٍ، يدار بآليات الشارع لا بالقوانين

القانون الغائب 

المواطن من جانبه يشعر بالعجز، فبينما يحمل القانون وعودًا بالتنظيم، تبقى الواقع اليومي أقرب إلى الإتاوة منه إلى الخدمة.

ويروي أحد السائقين لـ"المحروسة" أنه في إحدى المرات رفض دفع المبلغ الذي طلبه أحد السيّاس في منطقة المهندسين، لكنه فوجئ عند عودته بسيارته وقد أُصيبت بخدوشٍ واضحة في هيكلها.

الأمن بين السيطرة والمجاملة

من الفوضى إلى الحل.. هل يمكن تقنين الفوضى؟

رغم صعوبة المشهد، هناك محاولات للتنظيم.
في الإسكندرية مثلاً، تم التعاقد مع شركة لإدارة المواقف إلكترونيًا، وتعيين العاملين بعد تدريبهم وتحديد أجر رسمي لهم.
لكن التجربة ما زالت محدودة ولم تُعمّم بعد.
يرى خبراء الإدارة المحلية أن الحل لا يكون بالحملات الأمنية فقط، بل عبر تحويل المهنة إلى خدمة منظمة تخضع للرقابة، وذلك من خلال، إنشاء شركات محلية لإدارة المواقف وتوظيف العاملين رسميًا.
فرض رسوم إلكترونية محددة وواضحة تُحصّل عبر تطبيق موحد.

المزيد