تابعت كما تابع الجميع مشهد اعتبره البعض اختزل سنوات من التوتر بين ضمير الفنان وما آلت إليه صناعة الشهرة، مشهد عودة الفنان محمد سلام خلال احتفالية "وطن السلام" التي شهدها الرئيس السيسي، حيث العودة إلي المشهد الفني والسياسي في ابهي صوره بعد رحلة كشفت عن الضمير واللا ضمير، عودة "ردّ الاعتبار" أمام جمهوره الكبير، العودة التي كانت صفعة راقية ردّت له اعتباره، وقزّمت كل من حاولوا النيل منه أو المتاجرة بموقفه.
القصة بدأت باعتذار محمد سلام من خلال فيديو عبر صفحته علي موقع التواصل الاجتماعي الفيس بوك عن المشاركة في عرض مسرحي بموسم الرياض تحول فجأة من اعتذار عن عرض فني إلى اختبار حقيقي لشركات الانتاج وضمائر المنتجين، مبرراً قراره بتضامنه مع أهالي قطاع غزة والظروف الإنسانية هناك.
الإعلان جاء قبل بدء العرض بساعات قليلة ليستقطب تعاطفاً كبيراً وواسعاً في كافة الأوساط الشعبية والفنية والاعلامية، وفور اعلان سلام الاعتذار، قام رئيس هيئة الترفيه تركي آل الشيخ، بالتعبير عن استياءه من قرار الاعتذار وأعلن في تصريحات أن هذه مزايدة يرفضها ولن يسمح لأحد بإعاقة العمل الثقافي، ليأتي رد الفعل الشعبي صادم لرئيس هيئة الترفيه حيث جاء الرد كأسراب الجراد، تكتسح منصات السوشيال رفضًا وغضبًا، وتصبّ عليه سيلًا من التعليقات التي كشفت أن الوعي الشعبي لا يُشترى، وأن المزايدة الحقيقية هي في صمت من باعوا ضمائرهم.
بعد أشهر قليلة خرجت الشائعات وتحولت إلي أخبار تناقلها الناس غضبا حيث ذكرت أن بعض المنتجين ومنصات العرض أوقفوا أو أجلوا أو ألغوا أو استبعدوا عدد من الأعمال لمحمد سلام التي كان يشارك بها ومنهم مسلسل "كارثة طبيعية" والذي تم الاعلان عن عرضه الايام المقبلة فور مشاركته في عرض"وطن السلام" أمام الرئيس السيسي.
منع سلام من عرض اي عمل له او المشاركة في اي عمل فني كعقوبة علي موقفه من التضامن مع غزة جاء ليرسم الصورة في ذهن جمهور سلام الواسع وهو أن ثمن المواقف باهظ جدا كالإقصاء وتنصل المنتجين وشركات الانتاج منه بعد أن كانت تلهث وراءه ليأتي بعد عامين وبالمصادفة في نفس يوم اعتذاره ليرد إليه القائد اعتباره، وسط تغطية إعلامية واسعة لظهوره واستقبال عظيم من الجمهور، لتُعلن نهاية حالة التهميش والاهمال والعزلة التي مارسها عليه بعض أصحاب النفوس الضعيفة والنفوذ القوية من أجل الحصول علي حِفنة من الريالات والدولارات.
بموقفه من غزة، عرّى محمد سلام سوق النفاق الفني، وكشف من باعوا ضمائرهم مقابل الريال والدولار، وأثبت أن الوطنية عند بعض المنتجين لا تتجاوز بيانات العلاقات العامة، وأن قضايا الوطن لديهم لا تُوزن إلا بميزان أكل العيش وأنها ليست سوى شعاراتٍ تُرفع على موائده.
خلاصة القول أن أزمة محمد سلام لم تكن حادثة فردية، بل كانت مرآة لضعف آليات الحماية للمبدع داخل سوقٍ تتقاطع فيه السياسة والمال والثقافة، وعودة فنان كمحمد سلام إلي العمل الفني بهذا الظهور الجماهيري والاهتمام الرسمي تُقرأ كعلامة واضحة وبارزة على قدرة النظام والمؤسسة على إعادة ضبط المشهد سريعاً، لكنّها لا تلغي الحاجة لآليات واضحة للإنصاف والمسائلة، كي لا يبقى الفن مرتهناً لتبدلات المصالح وتيار الأيام وموائد أكل العيش وأصحاب الهوي.