Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

من مقبرته إلى المتحف الكبير.. رحلة الملك الذهبي الذي لا يشيخ٠

من مقبرته إلى المتحف الكبير.. رحلة الملك الذهبي الذي لا يشيخ

توت عنخ أمون

توت عنخ أمون

يُعد الملك توت عنخ آمون واحدًا من أشهر فراعنة مصر القديمة، بل وأيقونة خالدة في التاريخ المصري الحديث، على الرغم من قِصر فترة حكمه التي بدأت وهو في التاسعة من عمره وانتهت برحيله المفاجئ قبل بلوغه العشرين.

ويعني اسمه "الصورة الحية للإله آمون"، وقد ارتبط اسمه بأحد أعظم الاكتشافات الأثرية في القرن العشرين، عندما عُثر على مقبرته كاملة دون أي تلف داخل وادي الملوك بالأقصر.

النشأة والأنساب الملكية

وُلد توت عنخ آمون في الأسرة الثامنة عشرة، وهو ابن الملك إخناتون، أول من دعا إلى عبادة إله واحد هو "آتون"، أما والدته فكانت تُعرف بلقب "السيدة الصغيرة"، ولم يُحدد اسمها حتى الآن، كما لم تكن الملكة نفرتيتي والدته الشرعية، ونظرًا لحرص العائلة المالكة على الحفاظ على نقاء الدم الملكي، تزوج إخناتون من أخته لينجب وريثًا للعرش، وهو تقليد كان شائعًا في ذلك العصر.

وفي سن مبكرة، تزوج توت عنخ آمون من شقيقته غير الشقيقة عنخ إسن آمون، وكانا لا يزالان طفلين وقت زواجهما.

إنجازات ملك حكم صغيرًا ورحل شابًا

رغم أن فترة حكم الملك الشاب لم تتجاوز عشر سنوات، فإنها شهدت تحولات مهمة في تاريخ مصر القديمة.
فقد أعاد توت عنخ آمون العاصمة من تل العمارنة إلى طيبة بعد الاضطراب الديني الذي سببه والده، كما ترك بصمات واضحة في معابد الكرنك والأقصر، وساهم وزيره خبر خبرو رع آي في إعادة الاستقرار الديني وتثبيت أركان الحكم، فيما شيد الملك الشاب المراكب المقدسة وأقام قصر “ملايين السنين” الذي لم يُعثر عليه حتى اليوم.

أعظم لحظة في تاريخ علم الآثار

في الرابع من نوفمبر عام 1922، تمكن عالم الآثار البريطاني هوارد كارتر من تحقيق الحلم الذي طال انتظاره، باكتشاف مقبرة الملك توت عنخ آمون (KV62) في وادي الملوك كاملة بمحتوياتها دون أن تمسها يد، كما ضمّت المقبرة أكثر من 5000 قطعة أثرية تنوعت بين التوابيت الذهبية والعربات الحربية والأثاث المزخرف والمجوهرات النادرة، ما جعلها كنزًا أثريًا فريدًا يوثّق تفاصيل الحياة داخل القصر الملكي، إلا أن هذا الاكتشاف الأسطوري صاحبه جدل واسع بسبب وفيات غامضة بين بعض أعضاء البعثة، مما أطلق خرافة “لعنة الفراعنة”، التي أثبت العلماء فيما بعد عدم صحتها.

لغز رحيل الفرعون الشاب

ظل موت توت عنخ آمون لغزًا غامضًا حير الباحثين لعقود. فقد رحل في سن التاسعة عشرة، وتعددت النظريات حول أسباب وفاته، إحدى الفرضيات ترجح أنه قُتل بدافع سياسي من وزيره “آي”، الذي تزوج من أرملته فور وفاته، بينما تشير دراسات حديثة إلى أنه توفي نتيجة مضاعفات كسر في الجمجمة أو إصابة بعدوى الملاريا، كما كشفت تحاليل الحمض النووي عن وجود أمراض وراثية في جسده ناجمة عن زواج الأقارب داخل العائلة الملكية.

متحف للحياة الملكية

تُعد مقبرة توت عنخ آمون من أغنى المقابر الملكية على الإطلاق، إذ احتوت على تابوت ذهبي ضخم، ومجوهرات ثمينة، وأثاث ملكي فاخر، وأدوات تجميل، وعربات حربية، وأسرة مزخرفة بالعاج، ووفقًا لوزارة السياحة والآثار، فإن اكتشاف المقبرة عام 1922 ما زال يُعد أهم الاكتشافات الأثرية في القرن العشرين، لما قدمه من معلومات دقيقة عن الحياة الملكية ومظاهر الدفن والعقيدة الدينية في مصر القديمة.

جوهرة وادي الملوك

دُفن الملك الشاب في المقبرة رقم 62 بوادي الملوك بالأقصر، وهي غرفة دفن صغيرة نسبيًا تبلغ أبعادها نحو 6 أمتار طولًا و4 أمتار عرضًا، وتضم المقبرة التابوت الحجري المصنوع من الكوارتزيت، تحيط به تماثيل المعبودات الحامية ناشرات أجنحتهن لحماية الملك، وفي الداخل، وُجدت ثلاثة توابيت متداخلة تأخذ شكل الملك في هيئة المعبود "أوزير".

الداخلية منها كانت من الذهب الخالص بوزن 110.4 كجم، ملفوفة بالكتان ومغطاة بالكامل عدا الوجه الذي زُين بالقناع الذهبي الشهير الذي أصبح رمزًا للحضارة المصرية، أما التابوت الأوسط فصُنع من الخشب المغطى بصفائح ذهبية وزُين بعجائن زجاجية ملونة، ويُعرض اليوم في المتحف المصري بالتحرير، في حين جاء التابوت الخارجي، الأكبر حجمًا، من الخشب المذهب، مجسدًا الملك ممسكًا بشارات الملكية، بطول 223.5 سم وعرض 83.8 سم وارتفاع 105.5 سم، وظل داخل المقبرة حتى نقله إلى المتحف المصري الكبير في يوليو 2019.

رحلة النقل والترميم.. إنقاذ كنز من الذهب

قبل عملية النقل، كشفت الفحوصات الدقيقة عن تشققات وضعف في طبقات الجص المذهب للتابوت بسبب الرطوبة والعوامل الزمنية، وتمت عملية النقل والتأمين بالتعاون بين وزارة الآثار وشرطة السياحة والآثار، حيث جرى تغليف التابوت بعناية فائقة باستخدام وحدات مضادة للاهتزاز لضمان سلامته أثناء الرحلة من الأقصر إلى القاهرة.

وفي 14 يوليو 2019، أُودع التابوت في قاعة العزل بالمتحف المصري الكبير لمدة أسبوع، ثم خضع لمرحلة تعقيم كاملة في 22 يوليو، قبل بدء عمليات الترميم التي شملت تنظيفًا ميكانيكيًا ورطبًا وتثبيت الطبقات المذهبة وتقوية البنية الخشبية الداخلية، في واحدة من أدق عمليات الترميم التي شهدها المتحف.

الملك الذي لم يمت

رغم مرور أكثر من 3300 عام على رحيله، لا يزال الملك توت عنخ آمون حاضرًا بقوة في وجدان المصريين والعالم أجمع، باعتباره رمزًا للخلود والتاريخ الملكي المصري، إنه الطفل الذي تولى العرش صغيرًا، ومات شابًا، لكنه ترك إرثًا خالدًا غيّر مسار علم الآثار إلى الأبد.

صورة أرشيفية
صورة أرشيفية
صورة أرشيفية
صورة أرشيفية