Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

من غفران الذنوب إلى جني الجيوب.. بيزنس الحج تجارة الإيمان تحت غطاء التقوى

الحج

الحج

تحوّلت فريضة الحج، التي تمثل ذروة التعبّد في الإسلام، من رحلة روحية تهدف إلى غفران الذنوب والتقرب إلى الله، إلى موسم تجاري ضخم تتداخل فيه المصالح الاقتصادية مع الشعائر الدينية، في مشهد يثير الكثير من التساؤلات حول حدود التجارة في الدين، ومتى يتحوّل الإيمان إلى سلعة تُباع وتُشترى تحت غطاء التقوى بتصدر عدد من الدعاة والأطباء المشهورين علي قائمة المروجين لبعض شركات السياحة المتخصصة في السياحة الدينية.

في السنوات الأخيرة، شهدت أسعار الحج ارتفاعاً غير مسبوق، حتى باتت هذه الفريضة بعيدة عن متناول الكثير من المسلمين، خاصة في الدول ذات الدخول المحدودة. 

شركات السياحة الدينية باتت تتنافس على تقديم باقات "VIP" تشمل إقامة فاخرة، تنقلات خاصة، وخدمات مميزة، بأسعار تفوق أضعاف التكلفة الأساسية للحج. 
هذه الباقات تُسوّق على أنها تضمن راحة الحاج وخشوعه، لكنها في الواقع تفتح الباب أمام طبقية غير معلنة داخل الشعائر، حيث يصبح الحج تجربة نخبوية لمن يملك المال، بينما يُحرم منها من لا يملك، ويساعدهم علي هذا مايسموا بنجوم الدعوة مما يرتدون عمامة الأزهر وأصحاب الزي الأبيض من المحسوبين علي الأطباء من نجوم الميديا والإعلام.

الإسلام لا يُحرّم التجارة أثناء الحج، بل أباحها بنص قرآني واضح: ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ﴾، لكن الفرق كبير بين التجارة المشروعة التي لا تُفسد روح الفريضة، وبين استغلال الشعائر لتحقيق أرباح خيالية على حساب الحجاج. فهل من المقبول أن تتحوّل رحلة الغفران إلى فرصة لجني الجيوب؟ وهل يجوز أن تُستخدم التقوى كغطاء لتبرير هذا التوسع التجاري؟

الخطاب الديني الرسمي غالباً ما يتجاهل هذه الإشكالية، ويركّز على فضائل الحج دون التطرق إلى ما يحيط به من مظاهر تجارية متضخمة. الإعلام بدوره يكتفي بتغطية الأجواء الروحانية، ويغفل عن كشف ما وراء الكواليس من صفقات وأسعار. أما الحجاج أنفسهم، فبعضهم يشعر أن الرحلة فقدت روحها، والبعض الآخر يرضى بالواقع باعتباره جزءاً من العصر الحديث.

في النهاية، يبقى السؤال مفتوحاً: من يتحمّل مسؤولية هذا التحوّل؟ هل هي الشركات التي تستغل الموسم؟ أم الجهات الرسمية التي تضع التسعيرات؟ أم الحجاج الذين يقبلون بهذه المعادلة؟ وبين غفران الذنوب وجني الجيوب، تظل فريضة الحج في مفترق طرق بين الإيمان والتجارة، في انتظار من يعيدها إلى جوهرها الأول.
 
أدان عدد من علماء الأزهر ما يُعرف إعلاميًا بـ"بيزنس الحج"، مؤكدين أن المبالغة في الأسعار وتحويل الفريضة إلى سلعة تجارية يُعدّ انحرافًا عن مقاصد الشريعة.

في هذا السياق، صرّح الدكتور أسامة قابيل، أحد علماء الأزهر الشريف، بأن "استغلال الشعائر الدينية لتحقيق أرباح خيالية يُعدّ تشويهًا لروح الفريضة، ويتنافى مع مقاصد الإسلام التي تدعو إلى التيسير لا التعسير".

وأضاف أن الحج فريضة روحية عظيمة، لا ينبغي أن تتحوّل إلى مناسبة للربح الفاحش أو التفاخر الطبقي، مشيرًا إلى أن التجارة المشروعة أثناء الحج أمر مباح شرعًا، لكن بشرط ألا تُفسد روح العبادة أو تُقصي الفقراء عن أداء الفريضة.

كما شدد على أن الجهات المنظمة للحج مطالبة بمراقبة الأسعار، ووضع ضوابط صارمة تمنع استغلال الحجاج، مؤكدًا أن "السكوت عن هذا الاستغلال يُعدّ تقصيرًا في حق الأمة".

هذا الموقف يعكس قلقًا متزايدًا في الأوساط الدينية من تحوّل موسم الحج إلى سوق مفتوح، تُباع فيه الخدمات بأسعار مبالغ فيها، تحت غطاء "الراحة والرفاهية"، بينما يُحرم الملايين من المسلمين من أداء الفريضة بسبب العوائق المادية.

في النهاية، يظل السؤال مطروحًا: هل نعيد الحج إلى جوهره الإيماني؟ أم نتركه فريسة للمزايدات التجارية؟  
الضمير الديني والمجتمعي هو من يملك الإجابة.

المزيد