كلما اقترب موعد مواجهة الأهلي والزمالك، توقفت أنفاس الملايين، فالأمر لا يتعلق بمباراة كرة قدم عادية، بل بتاريخ من الصراع الممتد لأكثر من قرن بين قطبين حملا فوق أكتافهما ملامح الهوية الكروية في مصر والعالم العربي.
إنها مباراة تختزل في تسعين دقيقة كل مشاعر الانتماء والذاكرة والتحدي، وتعيد رسم المشهد الرياضي بكل ما فيه من مجد وتاريخ وتفاصيل لا تُنسى.
وفي النسخة الثالثة والعشرين من كأس السوبر المصري، يلتقي الأهلي والزمالك مجددًا على أرض ملعب محمد بن زايد في العاصمة الإماراتية أبوظبي، في مشهد كروي ينتظره عشاق اللعبة داخل مصر وخارجها، وسط أجواء لا تخلو من الحنين والإثارة والتحدي.
الأهلي والزمالك.. سجل من الندية والتفوق الأحمر
تاريخ السوبر المصري بين القطبين شهد تسع مواجهات سابقة، كانت فيها الكفة تميل بوضوح إلى الأهلي الذي حسم سبع بطولات لصالحه، مسجلًا عشرة أهداف، مقابل لقبين فقط وأربعة أهداف للزمالك.
ذلك التفوق يعكس هيمنة المارد الأحمر التاريخية على البطولة، ويضع الفريق الأبيض أمام اختبار جديد لاستعادة مكانته وكسر سلسلة التفوق في واحدة من أكثر البطولات رمزية بين الناديين.
ورغم أن لائحة البطولة منحت الأهلي بصفته بطل كأس مصر موسم 2000 – 2001 حق خوض المباراة الأولى أمام الزمالك، فإن أزمة تنظيمية وقتها دفعت إلى استبداله بغزل المحلة، لتتأجل المواجهة الكبرى إلى النسخة الثالثة في الثامن والعشرين من أغسطس عام 2003.
انتهى اللقاء الأول بين الغريمين بالتعادل السلبي، قبل أن تبتسم ركلات الترجيح للأهلي بثلاث ركلات مقابل ركلة واحدة، ليحصد أول ألقابه في البطولة ويبدأ فصلًا جديدًا من التفوق الكروي.
مواجهات لا تُنسى
عاد الفريقان ليلتقيا مجددًا في السابع والعشرين من يوليو عام 2008 في النسخة الثامنة على استاد القاهرة الدولي، وتمكن الأهلي من الفوز بهدفين لأحمد حسن والمعتز بالله إينو، ليواصل مسيرته المظفرة في البطولة.
وفي الرابع عشر من سبتمبر 2014 تكرر اللقاء وانتهى بالتعادل السلبي أيضًا، قبل أن يحسم الأهلي اللقب بركلات الترجيح في سيناريو درامي شهد إهدار الزمالك ثلاث ركلات متتالية.
وفي الخامس عشر من أكتوبر 2015، أقيم اللقاء للمرة الأولى خارج مصر على ملعب هزاع بن زايد في مدينة العين الإماراتية، حيث فاز الأهلي بثلاثة أهداف مقابل هدفين في واحدة من أكثر المباريات إثارة في تاريخ البطولة.
لكن الزمالك استطاع أن يكسر سلسلة تفوق غريمه في العاشر من فبراير 2017 على ملعب محمد بن زايد بأبوظبي، عندما فاز بركلات الترجيح بثلاث ركلات مقابل ركلة واحدة بعد التعادل السلبي، ليعود باللقب بعد غياب دام خمسة عشر عامًا.
ردود متبادلة وصراع متجدد
لم يستمر تفوق الزمالك طويلًا، فعاد الأهلي ليحقق الفوز في العشرين من سبتمبر 2019 بثلاثة أهداف مقابل هدفين في مباراة شهدت تألق جونيور أجايي وحسين الشحات، بينما سجل محمود علاء هدفي الزمالك من ركلتي جزاء.
وفي فبراير 2020، استعاد الزمالك اللقب من جديد بعد فوزه بركلات الترجيح على ملعب محمد بن زايد، تحت قيادة المدرب الفرنسي باتريس كارتيرون، ليحقق البطولة للمرة الرابعة في تاريخه.
في السنوات الأخيرة، استعاد الأهلي سطوته الكاملة، ففاز في نهائي 2022 بثنائية نظيفة أحرزها برونو سافيو وكريم فؤاد، ثم عاد في أكتوبر 2024 ليحسم النسخة الثانية والعشرين بركلات الترجيح بعد التعادل السلبي، في لقاء قاده الحكم المصري أمين عمر.
مواجهة الأهلي والزمالك في السوبر المصري ليست مجرد مباراة لتحديد بطل، بل حدث يختصر المشهد الكروي المصري بكل تفاصيله؛ مواجهة بين التاريخ والحاضر، بين الشعبية والانتماء، بين المجد والرغبة في إثبات الذات.
فالأهلي يدخل اللقاء وهو يحمل لقب الأكثر تتويجًا في البطولة برصيد خمسة عشر لقبًا، بينما يسعى الزمالك لإيقاف نزيف الألقاب واستعادة الكبرياء أمام غريمه الأزلي.
هي مواجهة لا تحتكم فقط إلى الخطط والتكتيك، بل إلى العزيمة والإرث والروح التي تصنع الفارق حين تتساوى كل الأمور.
في النهاية، يبقى السوبر المصري مرآة حقيقية لكرة القدم في مصر، لا يخضع للتوقعات ولا يعترف بالمنطق، فحين يُرفع الستار وتبدأ المباراة، لا صوت يعلو فوق صوت القمة، ولا عنوان يسبق عنوان الأهلي والزمالك حين يلتقيان وجهاً لوجه في ليلة من ليالي التاريخ.