في تحول لافت يعكس تصاعد القلق الأمني في القارة الأوروبية، أعلن رئيس الوزراء البولندي دونالد توسك أن بلاده تدرس بجدية تطوير برنامج ردع مستقل، في خطوة قد تعيد رسم خريطة التوازنات العسكرية داخل الاتحاد الأوروبي وحلف الناتو.
تحركات وارسو بعد توتر إقليمي واسع
التصريحات جاءت على خلفية تصاعد التوترات الدولية خلال شهري فبراير ومارس 2026، بعد تبادل هجمات بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة أخرى، وما تبعها من تداعيات أمنية في منطقة الخليج، هذا المشهد المضطرب دفع عدة عواصم أوروبية إلى إعادة تقييم استراتيجياتها الدفاعية، وعلى رأسها وارسو التي ترى أن الاعتماد الكامل على المظلة الأمريكية لم يعد كافيًا في ظل التحولات الجيوسياسية المتسارعة.
وأكد رئيس الوزراء البولندي أن بلاده تبحث خيارات متعددة لتعزيز قدراتها، مشيرًا إلى أن النقاش لا يقتصر على الترتيبات التقليدية داخل حلف شمال الأطلسي، بل يمتد إلى آفاق أوسع تتعلق بامتلاك أدوات ردع متقدمة، من بينها الأسلحة النووية.
مشاورات مع باريس وحلفاء أوروبيين
وكشف توسك أن بلاده دخلت في مباحثات مع فرنسا وعدد من الشركاء الأوروبيين لبحث سبل تطوير برنامج ردع أكثر استقلالية، وتزامن ذلك مع انعقاد قمة للطاقة النووية في باريس، حيث طُرحت أفكار تتعلق بتعزيز التعاون الدفاعي الأوروبي بعيدًا عن الهيمنة الأمريكية.
وكان الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون قد أعلن في وقت سابق تعزيز القدرات النووية الفرنسية، داعيًا الحلفاء الأوروبيين إلى الانخراط في تدريبات وتنسيق أوسع ضمن مظلة ردع مشتركة، وهو ما اعتبرته وارسو إشارة مهمة لإعادة بناء مفهوم الأمن الأوروبي.
من المشاركة النووية إلى الاستقلال الكامل
بولندا كانت قد طالبت خلال عامي 2024 و2025 بنشر الأسلحة النووية الأمريكية على أراضيها ضمن ترتيبات “المشاركة النووية” في الناتو، ردًا على التهديدات الروسية المتزايدة على خلفية الحرب في أوكرانيا، غير أن الطرح الجديد يتجاوز فكرة الاستضافة إلى السعي نحو امتلاك الأسلحة النووية بقدرات وطنية مستقلة.
ويرى مسؤولون في وارسو أن طبيعة المعارك الحديثة، التي تعتمد على الصواريخ بعيدة المدى والطائرات المسيرة، تفرض تطوير الأسلحة النووية كجزء من استراتيجية ردع شاملة، خاصة مع استمرار التوتر شرق أوروبا.
جدل أوروبي واسع
إعلان بولندا دراسة خيار الأسلحة النووية أثار نقاشًا محتدمًا داخل الاتحاد الأوروبي، بين من يعتبره ضرورة استراتيجية لضمان التوازن مع موسكو، ومن يخشى أن يؤدي إلى سباق تسلح جديد في القارة، وبين هذا وذاك، تبدو وارسو عازمة على المضي قدمًا في إعادة صياغة عقيدتها الدفاعية، بما ينسجم مع رؤيتها لأمن أوروبي أكثر استقلالية وصلابة في مواجهة التحديات المقبلة.