Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

هندسة القوة وإعادة تشكيل الشرق الأوسط

اللواء د. رضا فرحات  أستاذ العلوم السياسية

اللواء د. رضا فرحات أستاذ العلوم السياسية

ما يجري اليوم في الشرق الأوسط لا يمكن قراءته بوصفه سلسلة أحداث متفرقة أو أزمات أمنية معزولة عن سياقها الكلي، نحن أمام مسار طويل ومعقد من إعادة تشكيل الإقليم، تستخدم فيه أدوات القوة الصلبة والناعمة في آن واحد، وتدار فيه التوازنات وفق منطق استراتيجي صارم، لا يترك مجالا كبيرا للصدفة أو الارتجال.

دعونا نضع الأمور في نصابها، لا توجد مفاجآت، و ما نراه ليس فوضى عارمة، إنه نظام جديد يفرض بالقوة، ترامب ونتنياهو ليسا مجرد شخصيتين سياسيتين عابرتين، هما وجهان لعملة واحدة، عملة المصالح الأمريكية الإسرائيلية المشتركة و ما نراه على شاشات الأخبار هو مجرد غبار يعمي الأبصار و الحقيقة أبسط، وأقسى بكثير إنها هندسة جديدة للمنطقة.

في عالم العلاقات الدولية، لا مكان للعواطف ولا توجد "توبيخات" حقيقية تغير المسار لا توجد "انتقادات" أمريكية توقف الآلة الحربية، التحفظات الدبلوماسية مجرد مسرحية تعرض بعناية فائقة لتهدئة الرأي العام العالمي لكن خلف الكواليس، المصالح هي الملك والأهداف الكبرى هي البوصلة الوحيدة،واشنطن لا تعاقب تل أبيب، واشنطن تدير الملف بدقة متناهية، الخلافات الظاهرية هي جزء من الخداع الاستراتيجي، الهدف واحد: إعادة تشكيل المنطقة لصالح الحليف الاستراتيجي.

لننظر إلى الخريطة، الأرقام لا تكذب، الوقائع على الأرض تتحدث بصوت عال، مساحة إسرائيل زادت، كيف حدث هذا؟ ليس بالسحر، حدث عبر المواجهات المتتالية والممنهجة في غزة و في الجنوب اللبناني وفي الجنوب السوري، هذا ليس صدفة عابرة، هذا ليس مجرد رد فعل أمني لحظي، هذا مخطط مدروس بعناية فائقة، المخطط واضح للعيان، الزيادة مستهدفة لتصل إلى 15 في المائة في المدى المتوسط.

وأين تكمن البداية؟ البداية من نهر الليطاني، هذا ليس حديثا عن مؤامرات نظرية، هذا حديث عن جغرافيا سياسية صرفة، السيطرة على الجنوب اللبناني ليست هدفا أمنيا فحسب، إنها هدف وجودي للتوسع المستقبلي، الهدف هو خلق منطقة عازلة واسعة، منطقة لا تتبع للسيادة اللبنانية الفعلية، منطقة تمهد الطريق لضم فعلي، حتى لو لم يعلن عنه رسميا في المحافل الدولية.

لماذا لبنان؟ ولماذا إيران؟ المعادلة هنا واضحة ومباشرة، إيران هي الذريعة المثالية، لبنان هو الضحية المحققة، يتم استخدام "التهديد الإيراني" كغطاء استراتيجي محكم، هذا الغطاء يسمح بتفكيك البنية التحتية اللبنانية، يسمح بتدمير الجنوب المنهك أصلا، و يسمح بخلق واقع جديد على الأرض، لا يهمهم من يحكم لبنان، لا يهمهم الاستقرار الداخلي أو المعاناة الإنسانية، يهمهم أمر واحد فقط: إفراغ الجنوب من أي قوة مقاومة، إبعاد الخطر عن حدودهم لأقصى حد ممكن.

قد يتساءل البعض عن القانون الدولي، عن قرارات الأمم المتحدة، عن الضمائر الحية في العالم، دعني أكون صريحا معك تماما، القانون الدولي يخدم الأقوياء دائما، هو أداة في أيديهم، وليس حكما عليهم، عندما تتقاطع المصالح الأمريكية العليا مع التوسع الإسرائيلي، يصبح القانون الدولي حبرا على ورق، لا تتوقع إنقاذا من الخارج، العالم يتفرج،  أو بالأحرى، العالم يدير ظهره بمهارة.

أيها القارئ، افهم هذا جيدا أن المعركة الدائرة ليست مجرد تبادل للقذائف إنها معركة رسم حدود جديدة تفرض بالقوة الغاشمة، ترامب ونتنياهو يتفقان تماما على الجوهر، الجوهر هو الأرض، والوقت يعمل لصالح هذا المخطط كل يوم يمر هو يوم يترسخ فيه الواقع الجديد.

من نهر الليطاني إلى هضبة الجولان، الخريطة تعاد صياغتها الآن، فلا تنخدع بالعناوين البراقة، ولا بالبيانات الدبلوماسية المنمقة، انظر إلى ما يحدث على الأرض.

الأرض هي الحقيقة الوحيدة التي لا تقبل الجدال.

المزيد