كان الناس قديمًا يظنون أن المناصب العامة تُسند إلى أصحاب الكفاءة والنزاهة وحسن السيرة، ثم تطورت الأمور قليلًا، فصار بعضهم يظن أنها تُمنح لأصحاب الولاء قبل أصحاب الجدارة.
أما اليوم، فقد دخلنا طورًا جديدًا يستحق أن يُدرَّس في كتب الطرائف السياسية والإدارية تحت عنوان: “كيف تصبح الشبهة مؤهلًا، وكيف يتحول السجل المثير للجدل إلى خبرة متراكمة”.
في هذا الطور العجيب، لم تعد المشكلة في تعيين شخص يختلف الناس حول كفاءته، فذلك أمر مألوف في كل زمان ومكان، إنما المشكلة في أن بعض الأسماء التي ظلت تتداولها الألسنة مقرونة بعلامات الاستفهام، وبعض الشخصيات التي أثارت من الجدل أكثر مما أثارت من الإعجاب، أصبحت تتصدر المشهد وكأنها النموذج الأمثل الذي ينبغي الاقتداء به.
بل إن المرء يكاد يصدق أننا انتقلنا رسميًا إلى “مستعمرة النخانيخ”، حيث تنقلب المعايير رأسًا على عقب، فيصبح الماضي الثقيل مجرد تفصيل عابر، وتتحول الأحكام والوقائع التي كانت كفيلة بإقصاء أي شخص عن المسؤولية إلى زينة تضاف إلى السيرة الذاتية لا إلى ما يستوجب المساءلة.
في مستعمرة النخانيخ لا يُسأل المسؤول: ماذا أنجزت؟ بل يُسأل: كم مرة نجوت؟
ولا يُقاس رصيده بما راكمه من ثقة عامة، بل بما راكمه من قدرة على العودة إلى الواجهة مهما كانت الملابسات والاعتراضات.
ولعل الأخطر من التعيين نفسه هو الرسالة التي يحملها، فكل منصب عام ليس مجرد كرسي ومكتب وختم، بل هو إعلان عن القيم التي يُراد ترسيخها. وعندما تتصدر المشهد شخصيات تحوم حولها الشبهات أو ارتبط اسمها بوقائع تثير الاستغراب، فإن الرسالة التي تصل إلى المجتمع تكون شديدة الوضوح: الكفاءة ليست شرطًا كافيًا، والسمعة ليست معيارًا حاسمًا، والثقة العامة يمكن الاستغناء عنها متى اقتضت الضرورة.
وهنا مكمن الخطر، حيث يبدأ التآكل الحقيقي لا في الميزانيات فقط، ولا في الأداء الإداري وحده، بل في المعنى نفسه، معنى الجدارة ومعنى القدوة، معنى المنصب العام، فالمجتمعات لا تنهار حين تخطئ في اختيار مسؤول مرة أو مرتين، وإنما حين تعتاد الخطأ وتتعامل معه باعتباره أمرًا طبيعيًا.
فهل تم الانتباه إلى حقيقة أن الرأي العام ليس غافلًا كما يتوهم البعض، فالناس تتابع، وتقارن، وتتذكر، فقد يخفت الجدل أيامًا أو أسابيع، لكنه لا يختفي من الذاكرة الجمعية بسهولة، وكل تعيين مثير للتساؤل يترك أثرًا يتجاوز صاحبه ليصيب المؤسسة نفسها في مصداقيتها وهيبتها.
إن أخطر ما في مستعمرة النخانيخ ليس وجود النخانيخ، بل محاولة إقناع الناس بأنهم نخبة، وليس تعيين الأسماء المثيرة للجدل، بل مطالبة الجمهور بالتصفيق لها باعتبارها عنوانًا للإصلاح والتطوير.
لكن الجمهور صار أكثر انتباهًا مما يظن البعض، وأكثر قدرة على التمييز بين الألقاب والحقائق، وبين الضجيج والإنجاز، وبين من يرفع المؤسسة ومن يثقلها بأعباء الشبهات والذكريات غير المريحة.
ومن ثم، فإن السؤال الذي يظل معلقًا فوق كل تعيين من هذا النوع ليس: كيف وصل هذا الشخص إلى المنصب؟ بل: ماذا بقي من هذا المنصب بعد أن وصل إليه؟
والنتيجة الطبيعية لمثل هذا الخلل ليست مجرد شغل المناصب من قبل غير المؤهلين أخلاقيًا أو قانونيًا، بل نشوء شعور متضخم بالاستحقاق لدى بعضهم، حتى يكاد ما مُنح لهم من استثناء يتحول في أذهانهم إلى حق أصيل لا يقبل النقاش.
وعند هذه النقطة لا يقتصر الأمر على ممارسة الصلاحيات، بل يمتد إلى استعراضها، والتوسع فيها، وإحاطة الذات بمظاهر الفخامة والحصانة والنفوذ بما يفوق أحيانًا ما تقتضيه طبيعة المنصب ذاته.
ومع غياب المساءلة، تتكرر الممارسات وتترسخ، ويتحول الاستثناء إلى عادة، والعادة إلى ثقافة، حتى يبلغ الأمر مرحلة الاستفحال، حيث لا يعود التجاوز سلوكًا طارئًا يحتاج إلى تبرير، بل يصبح نمطًا مستقرًا يتصرف أصحابه على أساس أنه جزء من النظام لا خروج عليه.
فهل تُرفع رايات الاستسلام؟
بالطبع لا استسلام ولا تراجع عن مواجهة هذه الظاهرة، ولكنها لن تكون بالضجيج ولا بردود الفعل العابرة، وإنما بإعادة الاعتبار إلى المعايير التي تقوم عليها الوظيفة العامة، النزاهة قبل النفوذ، والكفاءة قبل الولاء، والسمعة المستقيمة قبل أي اعتبار آخر.
كما تقتضي المواجهة، ترسيخ قواعد واضحة تمنع تضارب الرسائل بين ما يعلنه القانون وما تكافئه الممارسة، وتضمن أن تكون المناصب العامة موضع ثقة المجتمع لا سببًا في تآكلها.
فالدول لا تُقاس فقط بمن يصل إلى مواقع المسؤولية، بل أيضًا بالحدود التي تضعها أمام من لا ينبغي أن يصل إليها، وحين يدرك الناس أن المعايير تُحترم، وأن المساءلة حقيقية، وأن الذاكرة العامة ليست عبئًا يمكن تجاوزه، تستعيد الكلمات معانيها، وتستعيد المؤسسات هيبتها، ويستعيد المجتمع ثقته بأن العدالة ليست شعارًا يُرفع، بل قاعدة يُعمل بها.
والله من وراء القصد،،،
عاشت مصر شعبًا وقيادة،،،