Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

الأوكتاجون.. رسائل القوة والعقل والدولة

اللواء د. رضا فرحات أستاذ العلوم السياسية

اللواء د. رضا فرحات أستاذ العلوم السياسية

وسط إقليم تتبدل فيه الخرائط بسرعة، وتتصاعد فيه الأزمات من كل اتجاه، اختارت مصر أن تبعث برسالة مختلفة، لم تكن الرسالة في الخرسانة أو التصميم المعماري لمقر القيادة الاستراتيجية "الأوكتاجون"، وإنما في الفلسفة التي يقف عليها هذا الصرح؛ فلسفة تقوم على أن الدولة التي تريد السلام يجب أن تمتلك القوة التي تحميه، وأن المستقبل لا يدار بردود الأفعال، بل بالتخطيط والاستعداد وامتلاك القدرة على اتخاذ القرار في اللحظة المناسبة، لذلك جاء افتتاح "الأوكتاجون" ليعلن أن مصر لا تكتفي بمتابعة ما يدور حولها، وإنما تبني مؤسساتها بما يتناسب مع حجم التحديات التي تواجهها، وبما يرسخ مكانتها كدولة تمتلك رؤية واضحة لأمنها القومي ولمستقبلها.


لكن اللافت في هذا الحدث لم يكن فقط حجم المشروع أو الإمكانات التي يتمتع بها، وإنما الرسائل السياسية والاستراتيجية التي حملتها كلمة الرئيس عبد الفتاح السيسي خلال الافتتاح، وهي رسائل تستحق القراءة والتحليل، لأنها ترسم ملامح المرحلة المقبلة، وتوضح كيف تنظر الدولة المصرية إلى مفهوم القوة، وإلى طبيعة دورها في محيطها الإقليمي.

الرسالة الأولى جاءت لتؤكد أن القوة في مفهوم الدولة الحديثة لا تعني السلاح وحده، وإنما تعني القدرة على الإدارة والتنسيق وسرعة اتخاذ القرار، وعندما أوضح الرئيس أن مقر القيادة الاستراتيجية يجمع مختلف أفرع القوات المسلحة داخل منظومة قيادة وسيطرة واحدة، فإنه كان يؤكد أن المعركة في العصر الحديث تدار بالعقل قبل أن تدار بالسلاح، وأن امتلاك منظومة متطورة لإدارة المعلومات والاتصالات والتخطيط يمثل أحد أهم عناصر الردع الحديثة.

وهذا يعكس إدراكا عميقا لطبيعة الحروب المعاصرة التي لم تعد تعتمد فقط على المواجهة العسكرية المباشرة، بل أصبحت تقوم على سرعة الاستجابة، وتكامل المعلومات، والقدرة على التعامل مع مختلف السيناريوهات في وقت قياسي، ومن هنا فإن الاستثمار في منظومات القيادة والسيطرة هو استثمار في أمن الدولة واستقرارها قبل أي شيء آخر.

أما الرسالة الثانية، فقد حملت مضمونا واضحا يتعلق بالجاهزية والردع و الهدف من هذا الصرح هو الحفاظ على أعلى درجات الاستعداد للتعامل مع أي تطورات أو تهديدات قد تفرضها الأوضاع الإقليمية، وهذه الرسالة لا تستهدف التصعيد أو التلويح بالقوة، وإنما تؤكد مبدأ راسخا في العقيدة المصرية، وهو أن السلام الحقيقي لا يتحقق إلا إذا امتلكت الدولة القدرة على حمايته، فالمنطقة تمر بظروف غير مسبوقة، من صراعات ممتدة، وتحديات أمنية، وتهديدات عابرة للحدود، وهو ما يجعل الحفاظ على جاهزية القوات المسلحة مسؤولية وطنية لا تقبل التأجيل أو التهاون ومن ثم فإن تطوير البنية العسكرية، وتحديث منظومات القيادة، ورفع كفاءة إدارة العمليات، كلها إجراءات تستهدف حماية الأمن القومي المصري، والحفاظ على استقرار الدولة في محيط شديد الاضطراب.

أما الرسالة الثالثة، فهي الأكثر عمقا واتساعا، لأنها ترتبط بفلسفة الدولة المصرية في بناء الجمهورية الجديدةفقد أكد الرئيس أن هذا الصرح ليس مشروعا منفصلا، وإنما جزء من رؤية شاملة تستهدف بناء مؤسسات قوية وعصرية قادرة على حماية مقدرات الوطن وتحقيق أهدافه الاستراتيجية، الدولة الحديثة لا تبنى بالمشروعات الاقتصادية وحدها، ولا بالتنمية العمرانية فقط، وإنما بمنظومة متكاملة تجمع بين التنمية والأمن، وبين البناء والقدرة على الحماية.

إن افتتاح مقر القيادة الاستراتيجية ينسجم مع مسار طويل انتهجته الدولة خلال السنوات الماضية، يقوم على تحديث مؤسساتها، وتعزيز قدراتها، وامتلاك أدوات إدارة الأزمات وفق أحدث النظم العالمية، بما يضمن استدامة الاستقرار، ويعزز قدرة الدولة على مواجهة التحديات المستقبلية.

ولعل الرسالة الأهم التي حرص الرئيس على تأكيدها هي أن مصر ستظل قوة للسلام والاستقرار، وأن القوة في العقيدة المصرية ليست وسيلة للاعتداء أو فرض النفوذ، وإنما أداة لحماية الدولة، وصيانة حدودها، والحفاظ على مقدرات شعبها، والمساهمة في استقرار الإقليم، وهذه هي الفلسفة التي التزمت بها مصر عبر تاريخها، وستظل حاكمة لتحركاتها في المستقبل.

إن بناء القوة لا يتعارض مع بناء السلام، بل إنهما وجهان لعملة واحدة، والدولة التي تمتلك القدرة على الدفاع عن نفسها هي الأكثر قدرة على حماية السلام، والأكثر احتراما في محيطها الإقليمي والدولي ومن هنا، فإن افتتاح مقر القيادة الاستراتيجية لا ينبغي النظر إليه باعتباره مجرد إنجاز هندسي أو عسكري، وإنما باعتباره رسالة سياسية واستراتيجية تؤكد أن مصر تواصل بناء قوتها بعقل الدولة، وثقة المؤسسات، ورؤية المستقبل.

وفي النهاية، يبقى "الأوكتاجون" أكثر من مجرد مقر للقيادة؛ إنه عنوان لمرحلة جديدة تؤمن بأن الأمن والتنمية لا ينفصلان، وأن الدولة القوية هي التي تجمع بين الحكمة والقدرة، وبين السلام والردع، وبين البناء والاستعداد وهي الرسالة التي أرادت مصر أن توجهها للعالم من قلب عاصمتها الجديدة، أننا دولة تسعى إلى السلام، لكنها تمتلك من القوة والإرادة ما يجعلها قادرة على حماية وطنها، وصون أمنها القومي، والدفاع عن مستقبل شعبها مهما كانت التحديات.

المزيد