يصعب فصل الموقف الإيراني الرافض للمبادرات الأوروبية لحماية الملاحة في مضيق هرمز خلال عام 2026 عن الاستراتيجية التي تبنتها طهران خلال العقود الماضية، والقائمة على توظيف الجغرافيا في خدمة السياسة. فبدل أن تنظر إلى مضيق هرمز باعتباره ممرًا مائيًا دوليًا يخدم الاقتصاد العالمي، تتعامل معه باعتباره ورقة ضغط استراتيجية تستخدمها كلما اشتدت الضغوط الدولية عليها أو تعثرت مفاوضاتها مع الغرب.
تمثل المبادرة الفرنسية- البريطانية الجديدة، التي أُعلن عنها في يوليو 2026 بالتعاون مع سلطنة عُمان، تطورًا في الجهود الأوروبية الرامية إلى حماية الملاحة في مضيق هرمز، في ضوء تصاعد المخاوف من تهديدات أمنية قد تطال أحد أهم الممرات البحرية في العالم.
وتركز المبادرة على تعزيز التنسيق البحري مع سلطنة عُمان، وتنفيذ عمليات مراقبة وتأمين للممرات الملاحية، والاستعداد لعمليات إزالة الألغام وحماية السفن التجارية عند الضرورة، مع الإبقاء على خيار تشكيل قوة بحرية متعددة الجنسيات إذا تدهور الوضع الأمني. وتقود هذه المبادرة كل من فرنسا والمملكة المتحدة، بالتنسيق مع سلطنة عُمان، مع توقع انضمام دول أوروبية أخرى في إطار دعم حرية الملاحة وأمن الطاقة العالمي، دون أن تتحول المهمة إلى قوة قتالية هجومية أو إلى وجود عسكري دائم داخل المياه الإقليمية العُمانية.
هذا النهج لم يعد يقنع حتى كثيرًا من الشركاء الدوليين الذين كانوا يفضلون إعطاء الدبلوماسية فرصة. فرفض إيران أي ترتيبات بحرية أوروبية، رغم أنها تهدف إلى حماية السفن التجارية وتأمين أحد أهم الممرات البحرية في العالم، يبعث برسالة مفادها أن طهران لا تريد شراكة في إدارة الأمن البحري، بل تريد احتكار القرار الأمني في الخليج. وهذا يتعارض مع قواعد القانون الدولي التي تكفل حرية الملاحة في الممرات الدولية، وتمنع تحويلها إلى أدوات للضغط السياسي أو العسكري.
المفارقة أن إيران تندد بما تسميه التدخل الخارجي، لكنها بسياساتها توفر المبرر لاستمرار هذا الوجود. فكلما تصاعدت التهديدات للملاحة أو تكررت حوادث اعتراض السفن، ازدادت قناعة الدول الأوروبية والولايات المتحدة بأن أمن التجارة العالمية لا يمكن أن يبقى رهينة حسابات إقليمية ضيقة. ومن هنا، فإن المبادرات الفرنسية والبريطانية لا تعكس رغبة في التصعيد بقدر ما تمثل محاولة لطمأنة الأسواق العالمية وحماية خطوط الطاقة التي يعتمد عليها الاقتصاد الدولي.
تخسر إيران اليوم فرصة مهمة لإعادة بناء الثقة مع الغرب، بينما تتحدث الدول الأوروبية عن إمكانية تخفيف العقوبات إذا أظهرت طهران التزامًا واضحًا في الملف النووي واحترامًا للقواعد الدولية، تصر القيادة الإيرانية على خطاب المواجهة ورفض أي ترتيبات أمنية لا تخضع لرؤيتها. والنتيجة أن سياسة الردع التي تتبناها تتحول تدريجيًا إلى عامل يعمق عزلتها السياسية والاقتصادية.
الرهان على أن العالم سيقبل بمنطق فرض الأمر الواقع لم يعد واقعيًا. فالتجارب أثبتت أن استخدام الممرات البحرية كورقة مساومة يؤدي في النهاية إلى زيادة الوجود العسكري الدولي، لا إلى تقليصه، وإلى تشديد الضغوط السياسية والاقتصادية، لا إلى تخفيفها.
إن أمن مضيق هرمز ليس شأنًا إيرانيًا داخليًا، بل قضية تمس الاقتصاد العالمي بأسره. ومن هذا المنطلق، فإن مستقبل الاستقرار في الخليج لن يتحقق عبر سياسة التهديد أو احتكار الأمن، وإنما من خلال الالتزام بالقانون الدولي، واحترام حرية الملاحة، والقبول بشراكة إقليمية ودولية تضمن أمن الجميع. أما الاستمرار في توظيف المضيق كورقة ابتزاز سياسي، فلن يغير موازين القوى، بل سيزيد من عزلة إيران ويمنح خصومها مبررات إضافية لتعزيز حضورهم العسكري والسياسي في المنطقة.