شهد أداء الاقتصاد المصري مع العالم الخارجي خلال الأشهر التسعة الأولى من العام المالي 2025/2026 تطورات متباينة، إذ نجحت التدفقات الاستثمارية وتحسن موارد النقد الأجنبي في الحد من الضغوط على ميزان المدفوعات، رغم استمرار اتساع عجز المعاملات الجارية بفعل الارتفاع الكبير في الواردات، خاصة السلع غير البترولية والطاقة.
تدفقات استثمارية تدعم الاقتصاد
بحسب بيانات البنك المركزي المصري، سجلت المعاملات الرأسمالية والمالية صافي تدفق للداخل بلغ نحو 9.9 مليار دولار خلال الفترة من يوليو إلى مارس، مدفوعة بارتفاع الاستثمارات الأجنبية المباشرة إلى نحو 13 مليار دولار. وجاء جزء من هذه التدفقات نتيجة استكمال تنفيذ صفقة تطوير منطقة رأس الحكمة، التي ضخت وحدها نحو 3.5 مليار دولار خلال الربع الثاني من العام المالي.
وفي المقابل، تعرضت استثمارات الأجانب في أدوات الدين المحلية لضغوط واضحة، بعدما سجلت صافي خروج بلغ نحو 4.4 مليار دولار، فيما ارتفعت وتيرة التخارج خلال الفترة من يناير إلى مارس 2026 لتصل إلى نحو 9.5 مليار دولار، بالتزامن مع تصاعد التوترات الإقليمية.
عجز المعاملات الجارية يتسع
ورغم تحسن بعض مصادر النقد الأجنبي، ارتفع عجز حساب المعاملات الجارية إلى نحو 14.6 مليار دولار، متأثراً بزيادة العجز في الميزان التجاري السلعي إلى 47.8 مليار دولار، نتيجة نمو الواردات بوتيرة أسرع من الصادرات.
وسجلت الواردات غير البترولية نحو 61.9 مليار دولار، بزيادة تجاوزت 15%، بينما استحوذت السلع الوسيطة المستخدمة في الإنتاج على النصيب الأكبر من هذه الزيادة، وهو ما يعكس ارتفاع احتياجات القطاع الصناعي.
في المقابل، ارتفعت الصادرات غير البترولية إلى 27.3 مليار دولار، مدعومة بزيادة صادرات الخضر والفاكهة والملابس الجاهزة والأجهزة الكهربائية المنزلية، إلا أن هذا النمو لم يكن كافياً لتعويض الزيادة الكبيرة في فاتورة الاستيراد.
تحويلات المصريين والسياحة تعوض جزءاً من الضغوط
في المقابل، واصلت تحويلات المصريين العاملين بالخارج أداءها القوي، بعدما ارتفعت بنحو 32% لتسجل 34.9 مليار دولار، لتظل أحد أهم مصادر النقد الأجنبي للاقتصاد المصري.
كما سجل قطاع السياحة أداءً إيجابياً، مع ارتفاع الإيرادات إلى 14.4 مليار دولار، مستفيداً من زيادة أعداد السائحين وتحسن الحركة الوافدة إلى المقاصد السياحية المصرية.
وعلى صعيد آخر، استعادت قناة السويس جزءاً من نشاطها، لترتفع إيراداتها إلى 3.2 مليار دولار بدعم زيادة أعداد السفن العابرة والحمولات الصافية مقارنة بالفترة نفسها من العام السابق.
الطاقة تضغط على الميزان التجاري
وأظهرت البيانات اتساع العجز في الميزان التجاري البترولي إلى 13.1 مليار دولار، مدفوعاً بارتفاع واردات الغاز الطبيعي والبترول الخام لتلبية احتياجات السوق المحلية، في حين سجلت الصادرات البترولية زيادة محدودة لم تتجاوز 550 مليون دولار.
كما ارتفع عجز ميزان دخل الاستثمار إلى 14.4 مليار دولار نتيجة زيادة مدفوعات عوائد الاستثمارات الأجنبية، وهو ما شكل أحد أبرز العوامل التي حدّت من التحسن في الحساب الجاري.
تحسن محدود في ميزان المدفوعات
ورغم استمرار الضغوط على التجارة الخارجية، نجح الاقتصاد المصري في تقليص العجز الكلي بميزان المدفوعات إلى نحو 1.8 مليار دولار خلال الأشهر التسعة الأولى من العام المالي، مقارنة بنحو 1.9 مليار دولار في الفترة نفسها من العام السابق، مستفيداً من قوة تدفقات الاستثمار الأجنبي المباشر وارتفاع تحويلات العاملين بالخارج وتحسن إيرادات السياحة وقناة السويس، وهي عوامل ساهمت في تخفيف أثر الزيادة الكبيرة في الواردات على الاقتصاد المصري.