في تصريحات وصفت بأنها الأكثر إثارة للجدل منذ سنوات، حذر وزير إسرائيلي من تعاظم القوة العسكرية المصرية، معتبرًا أن التطور المتسارع في قدرات الجيش المصري أصبح “ظاهرة تستحق المراقبة الدقيقة”، لما يحمله من دلالات على عودة القاهرة بقوة إلى موقعها التقليدي كقوة إقليمية محورية في الشرق الأوسط.
وأوضح الوزير، في مقابلة بثتها وسائل إعلام عبرية، أن الجيش المصري اليوم ليس كما كان قبل عقد من الزمن، مشيرًا إلى أن القاهرة تمضي في تحديث شامل لكل أفرع قواتها المسلحة، من القوات الجوية إلى البحرية والدفاع الجوي، إلى جانب تطوير الصناعات العسكرية المحلية والتوسع في إنتاج السلاح محليًا.
وأضاف أنه رغم أن مصر ملتزمة باتفاقية كامب ديفيد، إلا أن ما يجري من تسليح وتدريب واسع النطاق لا يمكن تجاهله، فالقاهرة باتت تمتلك جيشًا حديثًا هو الأقوى في المنطقة من حيث الحجم والتنوع والقدرات اللوجستية.
وتعكس هذه التصريحات بحسب مراقبين مخاوف إسرائيلية من التوازن الجديد في القوة داخل المنطقة، حيث تشهد مصر في السنوات الأخيرة طفرة نوعية في تسليحها، شملت طائرات الرافال الفرنسية، وغواصات ألمانية حديثة، وأنظمة دفاع جوي متقدمة، وسفن حربية ضخمة تمثل نقلة في القدرات البحرية المصرية.
نجحت مصر في السنوات الأخيرة في بناء منظومة ردع متكاملة، لا تستهدف أحدًا بعينه، لكنها تعكس رؤية وطنية شاملة مفادها أن الجيش القوي هو الضمانة الحقيقية لاستقرار الدولة ومكانتها، وهو ما يعيد للأذهان مكانة الجيش المصري كأحد أعمدة التوازن في المنطقة.
وفي الوقت الذي تلتزم فيه مصر الصمت حيال هذه التصريحات، يؤكد مسؤولون مصريون دائمًا أن الجيش المصري لا يوجه سلاحه إلا لحماية أرضه وحدوده، وأن بناء القوة العسكرية المصرية هدفه تحقيق الأمن القومي وردع أي تهديد محتمل، سواء من الإرهاب أو من محاولات زعزعة استقرار المنطقة.
والقلق الإسرائيلي لا يرتبط فقط بالتسليح، بل أيضًا بدور مصر السياسي المتصاعد، إذ تمكنت القاهرة من استعادة ثقلها الإقليمي عبر دبلوماسية نشطة، سواء في ملف غزة، أو في جهود الوساطة بين الفصائل الفلسطينية، أو في دعم الاستقرار في ليبيا والسودان.
كما أصبحت مصر لاعبًا رئيسيًا في معادلة الطاقة في شرق المتوسط، بعد اكتشافات الغاز العملاقة، وتأسيس منتدى غاز شرق المتوسط الذي يضم دولًا كبرى في المنطقة، ما جعل من القاهرة مركزًا محوريًا للطاقة والتوازن السياسي والاقتصادي في الشرق الأوسط.
وفي سياق متصل، أشار تقرير صادر عن مراكز بحثية إسرائيلية إلى أن التطور المستمر في قدرات الجيش المصري يتجاوز حدود الدفاع التقليدي”، ليشكل "قوة ردع إقليمية مؤثرة، وأن إسرائيل تتابع ذلك “باهتمام وقلق”، خاصة مع تنامي التعاون العسكري المصري مع قوى عالمية مثل فرنسا وروسيا والصين.
التحول يعكس مرحلة جديدة في العقيدة العسكرية المصرية، حيث تسعى القاهرة إلى امتلاك القدرات الكاملة التي تضمن لها الاستقلال في القرار السيادي والعسكري، بعيدًا عن أي ضغوط أو إملاءات خارجية.
تعكس التحذيرات الإسرائيلية الأخيرة خشية تل أبيب من عودة التوازن الإقليمي الذي غاب لعقود فمصر لم تعد تكتفي بدور الوسيط السياسي، بل تعيد ترميم عناصر قوتها الصلبة والناعمة في آن واحد.
وفي ظل المتغيرات الدولية المتسارعة، يبدو أن مصر تتجه لتأكيد مكانتها كقوة كبرى في الشرق الأوسط، قادرة على حماية مصالحها وفرض معادلات جديدة في الأمن الإقليمي.