موسم الانتخابات، كان من المعروف أنه من المواسم الذي تتزيّن فيه الشوارع بلافتات ضخمة، علي غرار لافتات موسم مسلسلات رمضان،فكان الهواء يتحول إلى دعاية انتخابية، وتعلو الأصوات التي تتعهد كل موسم أن المواطن على رأس الأولويات، لكن الحقيقة، أصبحت عكس ذلك، حيث أصبح المواطن نفسه يكاد لا يكون على رأس أي شيء، بما في ذلك قائمة الفائزين.
المرحلة الأولي من الانتخابات الأخيرة أعتقد ويعتقد غيري أنها لم تُفرز نواباً من بين عموم الناس، إلا من رحم ربي؛ حيث تشعر هذه المرة أنها خرجت من رحم ضيّق، لم يمر منه إلا مَن قُدر له النجاة من بين طبقات اجتماعية مترفة، تشبه طبقات الجو العليا، البعيدة كل البعد عن الأرض، وعن المواطن، وعن حالة العوز التي يعاني منها الناس.
وعلي الرغم من الفروق الاجتماعية الهائلة بين عدد من المرشّحين والناخبين، إلا أن بعض المرشحين خلال فترة دعايتهم وحملاتهم تعمدوا بشكل كبير وجاذب إظهار واستعراض الفروق الاجتماعية بينهم وبين الناخبين من ركوب أغلي السيارات واصطحاب الجاردات وهو يبتسم ويتلذذ بالنظر في عيونهم، يصافحهم بحرارة تكاد تُذيب يده من فرط الحماسة، وكأنه اكتشف في لحظة أن هؤلاء المواطنين ليسوا مجرد أرقام في إحصاءات.
أتذكر في فترة من الفترات أن عدد من المرشحين من أصحاب الأموال كانوا يستحون إظهار حياة الترف التي يعيشون فيها، ويتعمدوا ركوب سيارات عادية لإقناع الناخبين أنهم من بينهم وأن الفوارق الاجتماعية ليست موجودة، إلا أن حال المرشحين تبدل كحال الناخبين، فما إن تُقفل الصناديق ويُعلن الفائز، حتى نكتشف جميعًا أن “معالي النائب” يُحاول ممارسة طقوس الاندماج لإثبات الوجود، تمهيداً لمرحلة الاختفاء الضيف التي تلي إعلان النتيجة مباشرة.
قبل إعلان النتائج تتصدر المسيرات “الانتخابية” سيارات فارهة، سعر الواحدة منها يكفي ليحل أزمة زواج عشرات الشباب، ويغلق ديون مئات الأسر، تسير في مواكب تتعامل مع الشوارع كما لو كانت ساحات لاستعراض القوة والسطوة، أكثر منها كطرقات من التي يمر عليها المواطن في رحلة بحث يومية عن لقمة العيش.
في هذه المسيرات والمؤتمرات، لا وجود لحديث عن قضايا الغلاء، أو العوز، فكل هذا يتبخر أمام ضجيج الميكروفونات وتلويح الأيادي من نوافذ السيارات ذات الزجاج المعتم. وما إن تُعلن النتائج، حتي يعود كل شيء إلى طبيعته، المواطن إلى معاناته اليومية… والنائب إلى عالمه الخاص المُترف، حيث لا وجود لمطالب الناس ولا سماع لأصواتهم.
إن الانتخابات التي لا تُفرز نواب من بين المواطنين إلا من رحم ربي، تظل أقرب إلى مسرحية ذات فصل واحد، يختلط فيه حبّ الظهور بالرغبة في السلطة، وتنتهي أحداثه فجأة عندما ينسدل الستار، ويكتشف الناخب ما هو إلا واحد من جمهور مدعو للتصفيق فقط.