أكتب هذا المقال وقد اخترت الوضع الداخلي لأحدثكم عنه، لأنه الشغل الشاغل في هذه الظروف، ورغم وجودي في الولايات المتحدة الأمريكية، فإن لدي إحساسًا حقيقيًا بكل ما يحدث في مصر، خاصة الضغط الاقتصادي الذي يعاني منه الجميع باستثناء القلة التي حالفها الحظ وجمعت الملايين.
منذ تخرجي من جامعة الإسكندرية عام 1962 وحتى سفري إلى الولايات المتحدة عام 1972، أمضيت سنواتي في العمل السياسي، وبدأت بالتدريب في معسكرات مغلقة لمدة ثمانية أسابيع، ثم تم اختياري مسئولًا للتنظيم في منظمة الشباب بقسم كرموز بالإسكندرية، فأصبح العمل السياسي جزءًا من حياتي.
أتذكر أنه في عام 1953، وأنا طالب في السنة الأولى الثانوية، كتبت مع زميلي المرحوم صبحي عبد الباري خطابًا إلى اللواء محمد نجيب، رئيس الجمهورية آنذاك، نعترض فيه على اعتقال أحمد عبد الهادي باشا وآخرين، ونرفض ما اعتبرناه حرية غير صادقة تتحدث عنها الثورة. كانت نتيجة ذلك اعتقال زميلي أربعين يومًا في السجن مع المرحوم عدلي لملوم الذي اعتُقل بسبب الإصلاح الزراعي بعد أن صودرت منه أربعة آلاف فدان. ولحسن الحظ، أبلغ أحد المخبرين والدي أنني مطلوب للقبض علي، فنُقلت بسرعة إلى أقاربي في المنصورة لمدة أربعين يومًا حتى أُفرج عن صبحي.
وفي عام 1977، تم استدعائي إلى المباحث العامة بالإسكندرية، حيث قابلت المرحوم فوزي معاذ، وكان حينها مسؤولًا عن الشركات والقطاع العام قبل أن يصبح محافظًا للإسكندرية.
وُجهت إلي تهمة حرق الشركة الأهلية للغزل والنسيج بكرموز التي يعمل بها عشرة آلاف عامل.
أخبرني فوزي معاذ أن العقوبة لا حدود لها، وأنهم قادرون على إرسالي "وراء الشمس"، كما قال، لكنني أوضحت له أنني رفضت القيام بهذا العمل، إذ كان المطلوب مني أن أذهب إلى شقة المرحوم عزيز صدي، مدير الصناعة، وأعطيه شيكًا لرئيس مجلس الإدارة لإقالته بسبب خلاف مع المدير الإداري. رفضت ذلك، لكن الشركة تعرضت لاحقًا لحريق في أحد عنابر الغزل، فتم اتهامي زورًا بالمسؤولية.
وفي عام 1968، استدعيت إلى اجتماع مغلق في القاهرة حضره الرئيس جمال عبد الناصر، بدأ الرئيس حديثه قائلاً إنه يريد أن يسمع منا مباشرة. طلبت الكلمة وقلت: "سيادة الرئيس، أنا أكتب تقريرًا يوميًا يُرسل من الإسكندرية إلى القاهرة مساءً عبر الهاتف، يسمى تقرير الرأي العام، يتضمن اتجاهات المواطنين ومشكلاتهم، بما فيها النكات السياسية. لكنني لا أرى أي حلول لهذه المشكلات، بينما تُمنح كل الامتيازات للجيش، من مرتبات عالية وسلطات واسعة، بشكل يفوق حتى ما كان في عهد الملك".
أثار كلامي غضب المسئولين، وكان بجانبي الدكتور عادل عبد الفتاح مسئول التنظيم على مستوى الجمهورية، الذي أخذني للخارج معاتبًا بشدة على جرأتي في الحديث أمام الرئيس. ومع ذلك، لم أتعرض لعقاب.
ثم جاءت الأيام وهاجرت إلى الولايات المتحدة الأمريكية، وكما تعلمون، كانت هناك خطة منذ عهد ترامب لتقسيم العالم العربي إلى دويلات صغيرة، بدأت منذ السبعينيات، بحيث تُقسم مصر إلى سبع دويلات، ودول الخليج والسعودية إلى 22 دولة، وتصبح إسرائيل القوة الاقتصادية والعسكرية العظمى في المنطقة.
وعندما تولى الرئيس السيسي القيادة عام 2012، ورث بلدًا مثقلًا بالخراب: كهرباء تعمل لساعات محدودة يوميًا، صرف صحي متهالك، نقص مياه خاصة في الطوابق العليا، طرق مزدحمة بلا مثيل، رغيف خبز لا يصلح لغذاء البشر ويُستخدم لإطعام الدواجن، إضافة إلى حصار اقتصادي فرضته الولايات المتحدة وأوروبا وكثير من الدول العربية، وحصار عسكري من قبل إدارة أوباما، مما أدى إلى قصور في المعدات المطلوبة للجيش، هذا إلى جانب ما حدث في العراق وسوريا وإيران وليبيا والسودان، وأخيرًا غزة.
كان على مصر أن تختار بين الرضوخ لمطالب الاستعمار الجديد أو المعاناة اقتصاديًا، وقد أدى ذلك إلى غلاء فاحش ومعاناة شديدة، لكننا حافظنا على كرامتنا واستقلالنا.
والسؤال: كيف ننتصر على هذا الضغط الاقتصادي والسياسي؟
الجواب: الوحدة الوطنية، وتحمل أي عواقب تهز كرامتنا، والإصرار على تحقيق الاستقلال السياسي والاقتصادي، والتمتع بالحرية، وأنا واثق أننا حققنا الكثير رغم الصعوبات، وأصبح العالم ينظر إلينا باحترام، غير قادر على انتزاع حريتنا.
وإذا أردنا حياة حرة، فعلينا التضحية والعمل، وسنوفق بإذن الله، وكما يقول المثل: إذا غنيت للجائع فهو يسمعك ببطنه. وهذا هو الجواب.