Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

ماذا يعني فشل مشروع المقاتلة الأوروبية FCAS؟

بون ـ جاسم محمد باحث في الأمن الدولي والإرهاب

جاسم محمد باحث في الأمن الدولي والإرهاب

جاسم محمد باحث في الأمن الدولي والإرهاب

لم يكن مشروع "نظام القتال الجوي المستقبلي" (FCAS) مجرد برنامج لتطوير طائرة مقاتلة جديدة، بل كان تجسيداً لحلم أوروبي قديم يتمثل في بناء استقلالية دفاعية حقيقية بعيداً عن الارتهان الكامل للمظلة الأمريكية. لذلك، فإن قرار ألمانيا وفرنسا إيقاف المشروع لا يمثل إخفاقاً صناعياً فحسب، بل يكشف حدود التكامل الأوروبي عندما تصطدم الشعارات السياسية بالمصالح الوطنية.
قبل نحو تسع سنوات، أطلق الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون والمستشارة الألمانية الأسبق ميركل مشروعاً طموحاً كان يفترض أن يكون أكبر برامج التسلح الأوروبية وأكثرها كلفة. لم يكن الهدف تطوير طائرة مقاتلة فقط، وإنما إنشاء منظومة متكاملة للحرب الجوية تربط الطائرات المأهولة بالمسيّرات وأجهزة الاستشعار عبر "سحابة قتالية" متقدمة. لكن ما بدا رمزاً لوحدة أوروبا الدفاعية تحول تدريجياً إلى ساحة خلافات صناعية واستراتيجية.
المشكلة الأساسية لم تكن تقنية بقدر ما كانت سياسية، فرنسا كانت تبحث عن طائرة تعكس عقيدتها العسكرية: قادرة على حمل السلاح النووي والعمل من على متن حاملات الطائرات، بما ينسجم مع طموحات باريس كقوة عالمية تمتلك ردعاً نووياً مستقلاً. أما ألمانيا، فلم تكن بحاجة إلى هذه المواصفات، بل إلى منصة جوية أقل تعقيداً وأكثر ارتباطاً بمتطلبات الدفاع الجماعي داخل حلف الناتو.
إلى جانب تباين الرؤى العسكرية، برزت معركة النفوذ الصناعي بين شركة "داسو" الفرنسية و"إيرباص" الأوروبية. تمسكت باريس بقيادة فرنسية للمشروع، بينما أصرت برلين على شراكة متكافئة وفق الاتفاقات الأصلية. ومع مرور الوقت، تحولت الخلافات حول تقاسم الأدوار والمسؤوليات إلى عقبة لا يمكن تجاوزها.
في الظاهر، يبدو القرار انتكاسة كبيرة لمشروع الدفاع الأوروبي المشترك. فباريس وبرلين، اللتان تقدمان نفسيهما بوصفهما محرك الاتحاد الأوروبي، عجزتا عن إدارة أكبر مشروع تسليحي في تاريخ القارة. والأكثر إحراجاً أن هذا الفشل يأتي في وقت تدعو فيه أوروبا إلى تعزيز استقلاليتها الدفاعية في مواجهة بيئة أمنية تزداد اضطراباً بفعل الحرب في أوكرانيا وتصاعد التوترات الدولية.
لكن رغم ذلك قد يشكل هذا الإخفاق فرصة لإعادة تقييم الأولويات. فبدلاً من الإصرار على مشاريع رمزية عملاقة يصعب التوفيق بين مصالح أطرافها، ربما تحتاج أوروبا إلى نماذج أكثر مرونة للتعاون، تقوم على تحالفات محددة وأهداف واقعية.
بدأت ألمانيا بالفعل في البحث عن شركاء جدد، مثل السويد، بينما تبقى بريطانيا، المنخرطة في برنامج "GCAP" مع اليابان وإيطاليا، نموذجاً لتحالفات دفاعية تتجاوز الأطر التقليدية للاتحاد الأوروبي.
غير أن الخطر الحقيقي يتجاوز مصير طائرة مقاتلة بعينها. ففشل FCAS قد يلقي بظلاله على مشاريع دفاعية أخرى، وعلى رأسها برنامج الدبابة الأوروبية المستقبلية (MGCS). وإذا عجزت أوروبا عن التوفيق بين مصالحها الصناعية والاستراتيجية، فقد تجد نفسها مضطرة، مرة أخرى، إلى الاعتماد على التكنولوجيا الأمريكية لسد فجواتها الدفاعية.
لا تكشف قصة FCAS عن فشل مشروع صناعي فقط، بل تطرح سؤالاً أعمق: هل تمتلك أوروبا الإرادة السياسية للتصرف كقوة استراتيجية موحدة، أم أن مفهوم "السيادة الدفاعية الأوروبية" سيبقى شعاراً جذاباً يصطدم، في كل مرة، بحسابات المصالح الوطنية الضيقة؟

المزيد