Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

التقنيات الحديثة.. جسر للتواصل أم بوابة للتفكك الاجتماعي؟

لواء يحي عبد الكريم

لواء يحي عبد الكريم

وسط هذا العالم المتسارع، ما زال الإنسان يتشبث بشيء من الدفء الإنساني القديم، وكأنّ داخله سؤالًا لا يكف عن التردد: هل جعلتنا التكنولوجيا أكثر قربًا، أم أنها أبعدتنا عن بعضنا ونحن نظنّ العكس؟
لقد جاءت إلينا الثورة الرقمية بأجهزة صغيرة الحجم، لكنها واسعة الأثر، تحمل إلينا أصوات الأحبة وصورهم في لحظة، وتختصر المسافات التي كانت يومًا تحتاج إلى سفر وانتظار طويل. 
فأصبح بإمكان المرء أن يطمئن على من يحب بكلمة، وأن يشارك ضحكته مع شخص يفصله عنه بحر أو قارة، وكأن العالم انكمش حتى صار بحجم شاشة.
بالطبع، لا يمكن إنكار ما منحته هذه الوسائل من قدرة مذهلة على التقارب الإنساني فاللقاءات المؤجلة باتت ممكنة، والأخبار تصل في لحظتها، والحنين يجد متنفسًا عبر مكالمة أو رسالة أو صورة عابرة، فقد جعلت التقنية العالم أكثر اتصالًا من أي وقت مضى، ومنحت البشر فرصة البقاء قريبين رغم المسافات.
لكن الصورة ليست مضيئة بالكامل؛ فهذه الوسائل التي بُنيت لتقريب الناس، أصبحت أحيانًا حواجز خفية تفصل بينهم، فكم من شخص يجلس بين أهله أو أصدقائه بجسده فقط، بينما يظل عقله وروحه غارقين في شاشة لا تهدأ؟ وكم من حوار حقيقي خسرناه لصالح إشعار عابر أو متابعة لا تنتهي؟
لقد أصبحت العلاقات أكثر سرعة، لكنها في أحيان كثيرة أقلّ عمقًا، الكلمات تُكتب بسهولة، غير أنها لا تحمل دائمًا حرارة اللقاء الحقيقي ولا صدق التجربة المشتركة، فالعلاقة التي تقوم على التفاعل الرقمي وحده قد تضعف لأسباب بسيطة، والمشاعر التي لا تُروى بالمواقف والوجود الحقيقي كثيرًا ما تخبو سريعًا.
ومن أخطر ما أفرزته التكنولوجيا الحديثة أنها صنعت لكل إنسان عالمًا خاصًا يشبه أفكاره وميوله فقط؛ إذ باتت المنصات تعرض للفرد ما يحب سماعه ورؤيته، وتُبعد عنه كل ما يختلف معه، حتى وجد كثيرون أنفسهم أسرى دوائر مغلقة لا يرون خارجها شيئًا، ومن ثم تتقلص مساحة الحوار الحقيقي، ويضعف تقبّل الآخر تدريجيًا.
أما داخل البيوت، فقد أصبح المشهد أكثر إيلامًا؛ أسرة تجتمع في مكان واحد، لكن كل فرد يعيش في عالم منفصل خلف هاتفه أو جهازه، حيث يحضر الجميع بالأجساد، بينما تغيب الأرواح. 
ومع ذلك، لا يمكن اعتبار التكنولوجيا عدوًا ينبغي التخلص منه، فهي في جوهرها أداة محايدة، تعكس طريقة استخدامنا لها، فإن أحسنا توظيفها، أصبحت وسيلة للمعرفة والتقارب والبناء، وإن استسلمنا لها دون وعي، تحوّلت إلى باب للعزلة والتفكك الاجتماعي.
وقد تأثر المجتمع المصري، كغيره من المجتمعات، بهذا المد الرقمي الهائل؛ إذ أصبحت وسائل التواصل جزءًا من تفاصيل الحياة اليومية، في البيت والشارع والعمل والمقهى. وتحولت المنصات الإلكترونية إلى مساحة للنقاش وصناعة الرأي العام وتبادل الأفكار، بل وحتى لصناعة الشهرة السريعة.
ولأنّ المصريين بطبيعتهم شعب متفاعل وسريع التكيف مع كل جديد، فقد انتشرت ثقافة “التريند” بشكل واسع، وأصبح بعض الناس يربطون قيمتهم الشخصية بعدد المتابعين والإعجابات، فبات كثيرون يقدمون صورة مثالية مصطنعة عن حياتهم، مخالفة لواقعهم الحقيقي.
ومن أخطر الظواهر التي ظهرت في هذا العالم الرقمي تحويل الحياة الخاصة إلى مادة للعرض والمتاجرة، فأصبح البعض يكشف أسراره وخلافاته وآلامه أمام الجميع بحثًا عن التعاطف أو الشهرة أو زيادة المشاهدات، حتى تراجعت قيمة الخصوصية، وضعفت الحدود التي كانت تحمي حرمة البيوت.
والأشد خطورة أن بعض المنصات صارت ساحة لانتهاك الكرامة الإنسانية، حيث تُنشر الاتهامات والمشكلات العائلية على الملأ، وتتحول المآسي الشخصية إلى محتوى ترفيهي يستهلكه الجمهور بلا اكتراث. 
غير أن المجتمع المصري بما يحمله من رصيد حضاري وقيمي عميق، قادر على التعامل الواعي مع هذه التحديات، فالمطلوب ليس محاربة التكنولوجيا، بل إعادة توجيه استخدامها بما يحفظ التوازن بين التطور الإنساني والقيم الأخلاقية.
فهل يمكن تحقيق التوازن بين استخدام التكنولوجيا، والمحافظة على القيم والأخلاقيات؟
والإجابة نعم بالتأكيد، على أن يبدأ ذلك من داخل الأسرة، حين يخصص أفرادها وقتًا حقيقيًا للحوار بعيدًا عن الهواتف، ومن خلال تربية الأبناء على قيمة الخصوصية واحترام الحياة الشخصية، كما يقع على المدرسة والجامعة، والإعلام والمؤسسات الدينية دور مهم في ترسيخ الوعي الرقمي، وتعليم الأجيال أن قيمة الإنسان لا تُقاس بما يعرضه على الشاشة، بل بما يحمله من أخلاق ووعي واحترام للذات، كما ينبغي لكل فرد أن يراجع ما ينشره قبل أن يشارك به الآخرين. 
وفي النهاية، يبقى العالم الرقمي سلاحًا ذا حدّين؛ فهو قادر على أن يجعل البشر أكثر قربًا وتفاهمًا، كما يمكنه أن يدفعهم نحو العزلة والتفكك إذا غاب الوعي. 
وبين التواصل الحقيقي والتفاصل الإنساني، يظلّ الإنسان هو المسؤول الأول عن اختيار الطريق الذي يسلكه.

والله من وراء القصد،،،
عاشت مصر شعبًا وقيادة،،،

المزيد