Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

أحمد سالم يكتب: بين قرار حظر العرافين… وتصريحات رئيس الحكومة بخفض الدين: من يقرأ المستقبل؟

هل استندت نصريحات رئيس الحكومة إلى دراسات اقتصادية منشورة؟ أم إلى حسابات فلكية دقيقة؟ أم إلى "خبراء أبراج الاقتصاد"؟

الكاتب الصحفي / أحمد سالم

الكاتب الصحفي / أحمد سالم

منذ أيام أصدر رئيس الهيئة الوطنية للإعلام قرارًا بحظر استضافة العرافين والمنجمين وقراء الأبراج في جميع القنوات والإذاعات التابعة للهيئة، حمايةً لعقول المشاهدين من الوهم، وصونًا للوعي العام من التنبؤات غير المستندة إلى علم أو واقع.

القرار مهم، ويُحسب للدولة، ويؤكد أن الحديث عن المستقبل يجب أن يكون مبنيًا على أرقام ودراسات، لا على فنجان قهوة أو حركة كواكب وأبراج.

المدهش في قرار الهيئة الوطنية أنه لم يتطرق من قريب أو بعيد  إلى بعض التصريحات الرسمية التي تنافس أشهر برامج التنجيم في الجرأة، وتتفوق عليها في اتساع الخيال.

منذ أيام خرج الدكتور مصطفى مدبولي بتصريح يؤكد فيه أن عام 2026 سيشهد خفض قيمة الدين الخارجي إلى أقل من 50% من الناتج المحلي الإجمالي، بل إلى مستويات لم تشهدها البلاد منذ نحو 50 عامًا.

تصريح رئيس الوزراء يحمل في طياته قدرًا كبيرًا من التفاؤل، ويطرح سؤالًا مشروعًا: هل استند هذا التنبؤ إلى دراسات اقتصادية منشورة؟ أم إلى حسابات فلكية دقيقة؟ أم إلى "خبراء أبراج الاقتصاد" ؟ أم إلى دراسات الحكومة التي انعكس أغلبها على المواطن بالسلب؟

تبدو تصريحات الحكومة بعيدة كل البعد عن الواقع الفعلي الذي يعمل عليه رئيس الدولة بخطوات ثابتة وملموسة على الأرض، في محاولة حقيقية لتحسين الأوضاع الاقتصادية. غير أن المفارقة الصارخة تكمن في عجز الحكومة بكامل تشكيلها عن مجاراة هذا الحراك الرئاسي أو تحويله إلى سياسات تنفيذية واضحة تنعكس على حياة المواطنين.

فالمشهد بات مكرراً؛ لا تتحرك مؤسسات الدولة ولا تتفاعل الأجهزة التنفيذية مع الأزمات إلا بعد تدخل مباشر من رئيس الجمهورية. ولعل ما شهدته انتخابات مجلس النواب مثالاً دالاً، حيث لم تتحرك الهيئة الوطنية للانتخابات إلا عقب تحرك الرئيس نفسه، في صورة تعكس غياب المبادرة والجاهزية المؤسسية.

وينسحب الأمر ذاته على أداء الحكومة التي لا تبدو حاضرة في إدارة الملفات أو استباق الأزمات، بل تكتفي بالسير خلف قرارات رئيس الدولة دون امتلاك رؤية مستقلة أو فكر تنفيذي قادر على ترجمة التوجيهات الرئاسية إلى حلول واقعية ومستدامة.

وهنا يطرح الشارع سؤالاً مشروعاً: إذا كان رئيس الدولة يتولى بنفسه إدارة كل كبيرة وصغيرة، ويتدخل لحل أدق التفاصيل، فما الدور الحقيقي للحكومة والوزراء والمسؤولين؟ وهل تحولت الحكومة إلى مجرد جهاز تنفيذي بلا رؤية، ينتظر الإشارة بدلاً من أن يصنع الفعل؟

المفارقة أن الحكومة نفسها قررت منع استضافة العرافين، بينما لا تزال بعض الوعود الرسمية تُلقى على المواطنين بنفس منطق "السنة الجاية أحسن"، و"الفترة الجاية انفراجة".

ليست هذه المرة الأولى التي تُقدَّم فيها الحكومة ورئيسها توقعات جريئة على طريقة "المستقبل المشرق قريب جدًا"، فمنذ سنوات، أعلن رئيس الوزراء أن عام 2023 سيشهد وصول مصر إلى مرحلة الاكتفاء الذاتي من المواد البترولية، من بنزين وسولار وغيرها.

مرّ عام 2023، ثم ودّعناه، ولم نشعر أننا ودّعنا معه استيراد الوقود، ولا ودّعنا طوابير الزيادات، ولا ودّعنا فواتير الطاقة المتصاعدة، ثم جاءت تصريحات "الزيادة الأخيرة" في أسعار المحروقات، والتي قيل وقتها إنها الأخيرة، قبل أن تعود الحكومة بعد أسبوع واحد فقط لتقول: "نأمل أن تكون الأخيرة"، لتُعدل عن تصريحاتها وتؤكد أن الأسعار "ستُثبَّت لمدة عام"، وهو ما جعل المواطنون يكتشفون أن كلمة "الأخيرة" في القاموس الحكومي مرنة، وقابلة للتجديد، وقد تعني آخر زيادة قبل التي تليها.

المشكلة ليست في التفاؤل، فالتفاؤل مطلوب، لكن الخطورة حين يتحول التفاؤل إلى أسلوب إدارة، وحين تصبح التوقعات بديلاً عن الخطط الواضحة، والوعود بديلاً عن الشفافية، والجُمل الرنانة بديلاً عن الأرقام القابلة للمحاسبة.

فإذا كانت الدولة تحظر العرافين لأنهم يبيعون الوهم للناس، فالأجدر أن تُطمئن المواطنين بلغة واقعية، وأن تُعلن ما يمكن تحقيقه فعلًا، لا ما يبدو جميلًا في العناوين، فالمواطن لا يطلب المعجزات، ولا ينتظر النبوءات، ولا يريد معرفة وضع الدين الخارجي بعد 50 عامًا، ما يريده فقط أن لا يستيقظ كل فترة على "آخر زيادة"، وأن لا يسمع كل عام عن "عام الحسم"، ولا يكتشف أن المستقبل الذي بُشّر به تم تأجيله مرة أخرى.

في نهاية الأمر، الفرق بين الخبير الاقتصادي والعراف، أن الأول يُحاسَب إذا أخطأ،

أما الثاني فدائمًا يقول: " أن الأبراج اتلخبطت".

المزيد