Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

أحمد سالم يكتب: في ذكري «أبي».. بعض الأماكن خُلقت لتبقى فارغة إلا من أصحابها

أحمد سالم رئيس تحرير المحروسة

أحمد سالم رئيس تحرير المحروسة

أحمد سالم رئيس تحرير المحروسة

في الذكرى الخامسة لرحيل أبي، لا أجد للكلمات قدرة حقيقية على الوفاء بحقه، فهناك فراغ لا تملؤه العبارات، ومساحة في القلب لم ينجح الزمن في ترميمها، خمس سنوات مرّت، لكن الغياب ما زال حاضراً وكأنه حدث بالأمس، لأن بعض الرجال لا يرحلون، بل يظلون حاضرين دائمًا في جميع تفاصيلنا، في القرارات، وفي المواقف الصعبة.

كان أبي أكثر من أب، كان قدوتي الأولى، ومعلمي الصامت الذي علّمني بالفعل قبل القول، فلم يكن كثير الكلام، لكنه كان عميق الأثر، تعلّمت منه معنى المسؤولية، وكيف يكون الصبر قوة، والكرامة أسلوب حياة لا شعارًا يُرفع، فكان يرى الأمور بعين الحكمة، ويزن الكلمات قبل أن تُقال، وكأنّه كان يعرف أن الكلمة قد تبني إنسانًا أو تهدمه.
في كل مرحلة من حياتي، كان أبي هو مستشاري الأول، والملجأ الآمن عند الحيرة، فلم يكن يفرض رأيه، وإن حاول فرضه فهو من رحمته وخوفه علي، كان يؤمن أن التجربة أفضل معلم، وأن الرجولة لا تُورّث، بل تُصنع بالمواقف. لهذا لم أشعر يومًا أنه يقودني، بل كان يمشي إلى جواري، خطوة بخطوة.
خمس سنوات مضت، ولم ينجح أحد في أن يملأ مكانه، لأن بعض الأماكن خُلقت لتبقى فارغة إلا من أصحابها، ما زلت أفتقد نصيحته في لحظات القرار، ونظرته التي كانت تطمئنني دون كلام، أفتقد صوته وهو يقول إن كل شيء سيمر، وإن الصعب لا يدوم، وإن العبرة ليست بما نواجهه، بل بكيف نواجهه.
أدركت بعد رحيله أن قيمة الأب لا تُقاس فقط بما يقدمه في حياته، بل بما يتركه فيما بعده، فأبي رحمه الله ترك فيّ أثرًا لا يزول، ومبادئ لا تتغير، وأخلاقيات أعود إليها كلما تاهت الطرق، وتعددت الدروب، وكل نجاح أحققه، وكل خطوة ثابتة أخطوها، أعرف في قرارة نفسي أن له فيها نصيبًا منها، لأنه كان الأساس الذي بُني عليه كل شيء.
في ذكراه الخامسة، لا أرثيه بقدر ما أحيّي حضوره الدائم في داخلي، فهو "الحاضر الغائب" أدعو له بالرحمة، وأشهد أنه كان أبًا عظيمًا، ورجلًا حقيقيًا، ترك اسمًا طيبًا وسيرة لا تُنسى، رحمك الله يا أبي، وجعل مثواك الجنة، وستبقى دائمًا قدوتي، ومستشاري الأول، وأغلى ما علّمني الحياة.

المزيد