Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

الإخوان المسلمون في أوروبا: التحولات الفرنسية والاتجاهات الأوروبية

بقلم الدكتور : جاسم محمد - الباحث في الأمن الدولي والإرهاب ـ بون - ألمانيا

جاسم محمد باحث في الأمن الدولي والإرهاب ـ بون

جاسم محمد باحث في الأمن الدولي والإرهاب ـ بون

شهدت أوروبا خلال السنوات الأخيرة، وبشكل خاص منذ عام 2024، تحولًا تدريجيا ولكنه عميق في مقاربتها لملف جماعة الإخوان المسلمين. 

هذا التحول لم يكن نتيجة حدث أمني محدد أو عمل إرهابي مباشر، بل جاء نتيجة تراكم معلومات استخباراتية، ونقاشات سياسية، ومخاوف متزايدة تتعلق بالتماسك المجتمعي والهوية الدستورية، وحدود التعايش بين قيم الدولة الديمقراطية الليبرالية ومشاريع الإسلام السياسي العابرة للحدود. برزت فرنسا كأكثر الدول وضوحًا وحسما في تشخيص ما تعتبره تهديدا إخوانيا. 

وليس المقصود هنا التهديد الأمني المباشر، بل الخطر البنيوي طويل الأمد على القيم الجمهورية، وعلى رأسها العلمانية والمساواة وحياد الدولة تجاه الدين. وقد أصبحت التجربة الفرنسية مرجعا سياسيا وأمنيا تراقبه دول أوروبية أخرى، بما قد يمهد لسياسات مماثلة على مستوى الاتحاد الأوروبي. 

تبدأ المقاربة الأوروبية العامة لجماعة الإخوان بفصل واضح بين العمل العنيف المباشر والعمل الأيديولوجي والتنظيمي طويل الأمد. 

هذا الفاصل منح الجماعة هامش حركة قانوني داخل العديد من الدول الأوروبية لعقود، مستفيدين من قوانين حرية التنظيم والعمل الجمعياتي وحرية المعتقد. إلا أن هذا الهامش بدأ يتقلص تدريجيا مع تصاعد القناعة لدى صناع القرار بأن الجماعة تمثل مشروعا أيديولوجيا يسعى لإعادة تشكيل المجال العام وبناء مجتمعات موازية، دون أن تلجأ بالضرورة إلى العنف، ما يجعل الانتقال إلى تصنيف شامل للجماعة كمنظمة إرهابية أمرًا صعبًا قانونيًا. حدث تحول في فرنسا، منذ عام 2024، إذ انتقل التركيز من مجرد الإرهاب "الجهادي" العنيف إلى ما يُسمى الانفصالية الأيديولوجية والإسلام السياسي. وجرى إدراج الإخوان ضمن التنظيمات التي تسهم في إنتاج بيئة فكرية واجتماعية تضعف الاندماج وتغذي سرديات المظلومية، دون اعتماد العنف المباشر. 

وقد وفّر التقرير الحكومي الفرنسي، الذي ركز على الشبكات المرتبطة بالإخوان وآليات عملها داخل المجتمع، غطاءً سياسيا وقانونيا لتبني سياسات أكثر صرامة، شملت حل الجمعيات المرتبطة بالجماعة، وتشديد الرقابة المالية، وفرض متطلبات شفافية على المؤسسات، مع تعزيز دور القضاء الإداري في اتخاذ إجراءات سريعة وفعالة. لم يقتصر التحرك الفرنسي على المستوى التنفيذي، بل شمل المجال البرلماني، حيث دفعت قوى سياسية مثل حزب الجمهوريين نحو نقاش أوروبي أوسع حول جماعة الإخوان، عبر مشاريع قرارات تدعو الاتحاد الأوروبي لدراسة إدراج الجماعة أو بعض واجهاتها ضمن قوائم الإرهاب. 

ورغم الطابع الرمزي لهذه القرارات، فإنها تعكس تحوّلًا مهمًا في المزاج السياسي، وتسهم في تهيئة الرأي العام والنخب لتقبل سياسات أكثر تشددًا مستقبلًا. تشير المؤشرات إلى أن دولًا أوروبية أخرى، من بينها ألمانيا والنمسا وهولندا والدنمارك، تتابع التجربة الفرنسية باهتمام، ومن المتوقع أن تعتمد مقاربات مشابهة من حيث توسيع صلاحيات حل الجمعيات، وتشديد قوانين التمويل، وتعزيز مراقبة النشاط التنظيمي. وفي المقابل، قد تلجأ الجماعة إلى استراتيجيات بديلة تشمل العمل غير الرسمي، أو التركيز على المسارات القانونية والإعلامية للطعن في الإجراءات، مع استمرار خطابات المظلومية.

المزيد