Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

حماية الطفل في زمن الشاشات

اللواء د. رضا فرحات محافظ الإسكندرية الأسبق وأستاذ العلوم السياسية

اللواء دكتور رضا فرحات أستاذ العلوم السياسية ومحافظ الإسكندرية الأسبق

اللواء دكتور رضا فرحات أستاذ العلوم السياسية ومحافظ الإسكندرية الأسبق

لم يكن خطاب الرئيس السيسي حول مخاطر الاستخدام المفرط للهواتف المحمولة من قبل الأطفال مجرد تنبيه عابر أو تعبير عن قلق أبوي مشروع، بل جاء كاشفا عن إدراك عميق لتحولات اجتماعية وثقافية متسارعة باتت تهدد بنية الأسرة، وتعيد تشكيل وعي أجيال كاملة في غياب الضوابط، فالهاتف المحمول الذي دخل حياتنا كأداة تواصل ومعرفة، تحول لدى الأطفال إلى عالم بديل، يزاحم الأسرة والمدرسة، ويعيد تشكيل الوعي في غياب أي مرجعية تربوية أو أخلاقية واضحة ومن هنا يصبح طرح قانون ينظم استخدام الأطفال للموبايل تعبيرا عن وعي سياسي واجتماعي عميق بخطورة المرحلة، وليس افتئاتا على الحرية أو رغبة في الوصاية.

حين تطرح الدولة هذا التوجه، فإنها تستند إلى رصد واقعي لمخاطر متعددة باتت تهدد الطفولة المصرية، نحن أمام أجيال تنمو داخل فضاء رقمي مفتوح، بلا حدود زمنية أو قيمية، ما ينعكس في تراجع القدرة على التركيز، واضطرابات نفسية وسلوكية، وتدهور في المستوى التعليمي، فضلا عن التعرض لمحتوى عنيف أو غير ملائم يشكل وعيا مشوشا ومنفصلا عن ثقافة المجتمع وكل هذه المخاطر لم تعد افتراضات نظرية، بل حقائق يومية تراها الأسرة في بيتها، وترصدها المدرسة في فصولها، وتتابعها الدولة في مؤشرات أكثر عمقا.

ومن هنا يصبح من الطبيعي أن يتجه التفكير إلى الفئة العمرية المستهدفة بهذا القانون، وهي فئة تحتاج إلى حماية متدرجة لا إلى قرارات عمياء، الطفولة المبكرة لا تحتمل أصلا امتلاك هاتف ذكي يتحول إلى مربي بديل، بينما مرحلة المراهقة تتطلب تنظيما واعيا يوازن بين الحاجة إلى التعلم الرقمي والتواصل، وبين منع الانزلاق إلى الإدمان أو العزلة، الفكرة ليست في وضع سن جامدة، بل في فهم طبيعة كل مرحلة عمرية واحتياجاتها النفسية والمعرفية.

أما طبيعة القيود المطروحة، فهي في جوهرها تنظيمية لا عقابية، القانون لا يستهدف حرمان الأطفال من التكنولوجيا، بل يسعى إلى ضبط إيقاع استخدامها، من حيث عدد الساعات، ونوعية التطبيقات، والمحتوى المسموح به بهدف إعادة الهاتف إلى موقعه الطبيعي كوسيلة مساعدة على التعلم والمعرفة، لا كبديل عن الأسرة أو المدرسة أو التفاعل الإنساني الطبيعي، التنظيم هنا هو فعل حماية، لا مصادرة.

ويبقى التحدي الأكبر في آليات التنفيذ، لأن أي قانون لا يجد طريقه إلى الواقع يظل حبرا على ورق، التنفيذ الحقيقي يبدأ من داخل الأسرة، التي تتحمل المسؤولية الأولى في المتابعة والتوجيه، ويمتد إلى المدرسة التي يجب أن تستعيد دورها التربوي، لا التعليمي فقط، ثم إلى مؤسسات الدولة التي تضع الأطر التشريعية وتوفر الأدوات التقنية والرقابية اللازمة، نحن لا نتحدث عن رقابة أمنية، بل عن رقابة مجتمعية واعية، تقوم على الشراكة لا القسر.

وفي هذا السياق، تثار مسألة العقوبات، وهي نقطة شديدة الحساسية ، الأصل أن يكون هذا القانون توعويا في المقام الأول، لأن الهدف ليس معاقبة أولياء الأمور أو تحميلهم أعباء إضافية، بل مساعدتهم على أداء دورهم في زمن بالغ التعقيد، وإذا كانت هناك عقوبات، فيجب أن تكون محدودة وتدريجية، موجهة للتصحيح لا للردع، وتراعي أن كثيرا من الأسر تحتاج إلى الدعم والإرشاد أكثر مما تحتاج إلى العقاب.

ولا يمكن إغفال الدور المحوري للتعليم والإعلام في إنجاح هذا التوجه، المدرسة مطالبة بأن تدمج مفاهيم التربية الرقمية في مناهجها، وأن تعلم الأطفال كيف يستخدمون التكنولوجيا بوعي ومسؤولية، لا كيف يستهلكونها بلا ضوابط، أما الإعلام، فعليه أن يتخلى عن دوره التقليدي، وأن يتحول إلى شريك في بناء الوعي، من خلال حملات جادة تشرح المخاطر بلغة عقلانية، وتخاطب الأسرة لا من موقع الاتهام، بل من موقع الشراكة.

وفي النهاية، يظل السؤال الأهم هو كيف نحقق التوازن بين حماية الأطفال وعدم عزلهم عن عصرهم؟ التكنولوجيا قدر لا يمكن تجاهله، لكن ترك الأطفال وحدهم في مواجهتها هو أكبر أشكال الإهمال، التوازن يتحقق حين نمنح الطفل المعرفة في إطار من القيم، والحرية في إطار من المسؤولية، والحق في الاستخدام في إطار من الرعاية،  رسالتي لأولياء الأمور أن هذا القانون، إذا خرج إلى النور، لن يكون خصما من سلطتكم، بل سندا لكم، ودعوة صريحة لاستعادة دور الأسرة في معركة الوعي، فحماية الطفولة اليوم ليست شأنا أسريا فقط، بل قضية أمن مجتمعي وبناء مستقبل، ومن يحسن قراءة اللحظة، يدرك أن الاستثمار الحقيقي يبدأ من عقل الطفل قبل أي شيء آخر.

المزيد