في لحظة سياسية دقيقة تتشابك فيها التحديات الداخلية مع المتغيرات الإقليمية والدولية، جاء تكليف الرئيس عبد الفتاح السيسي للحكومة الجديدة ليضع ملامح مرحلة جديدة من العمل الوطني، عنوانها الرئيسي بناء دولة مدنية حديثة تقوم على ترسيخ قيم المواطنة والمساواة، وتوسيع دوائر المشاركة الشعبية، وتعزيز دور الرأي العام في صياغة القرار، إلى جانب استكمال البنية المؤسسية للدولة عبر تفعيل الاستحقاق الدستوري الخاص بالمجالس المحلية ليعكس هذا التوجيه الرئاسي إدراكا عميقا لطبيعة المرحلة، ووعيا استراتيجيا بأهمية الانتقال من منطق الإدارة التقليدية إلى نموذج أكثر كفاءة ومرونة واستجابة لمطالب المجتمع.
إن التأكيد الرئاسي على قيم المواطنة والمساواة ليس مجرد توجيه سياسي أو شعار مرحلي، بل هو ترجمة عملية لفلسفة الدولة المصرية في بناء مجتمع متماسك، يتساوى فيه جميع المواطنين في الحقوق والواجبات، دون تمييز على أساس الدين أو الجنس أو الانتماء الجغرافي أو الاجتماعي وأن المواطنة الحقيقية هي الركيزة الأساسية للاستقرار السياسي والاجتماعي، وهي المدخل الطبيعي لتعزيز الانتماء الوطني، وإطلاق طاقات المجتمع في مسارات البناء والتنمية.
خلال السنوات الماضية، شهدت مصر خطوات جادة لترسيخ هذه القيم، سواء على مستوى التشريعات أو السياسات العامة أو المبادرات الوطنية الكبرى، التي استهدفت تحقيق العدالة الاجتماعية، وتحسين مستوى معيشة المواطنين، وتوسيع مظلة الحماية الاجتماعية ويأتي هذا التكليف ليؤكد استمرار هذا النهج، ويضعه في مقدمة أولويات العمل الحكومي خلال المرحلة المقبلة، بما يضمن تحقيق التوازن بين متطلبات الإصلاح الاقتصادي وضرورات العدالة الاجتماعية.
وفي السياق ذاته، يمثل توجيه الرئيس بإيلاء أهمية قصوى للرأي العام نقلة نوعية في طبيعة العلاقة بين الحكومة والمواطن، ويؤسس لمنهج جديد قوامه الشفافية والتواصل والتفاعل المستمر ، فالرأي العام ليس مجرد متلق للسياسات، بل شريك أساسي في صياغتها وتقييمها، وهو ما يتطلب من الحكومة تطوير آليات الحوار المجتمعي، وتوسيع قنوات الاتصال المباشر مع المواطنين، والاستماع الجاد لمطالبهم ومقترحاتهم، والعمل على دمجها في خطط وبرامج العمل التنفيذي.
إن تعزيز الثقة بين المواطن ومؤسسات الدولة يعد من أهم التحديات التي تواجه أي حكومة، ولا يتحقق ذلك إلا من خلال تبني سياسات واضحة، وإجراءات عملية تلامس احتياجات الناس اليومية، وتقديم معلومات دقيقة وشفافة حول القرارات الحكومية وأسبابها وأهدافها كما أن الاهتمام بالرأي العام يسهم في رفع كفاءة الأداء الحكومي، من خلال تصحيح المسارات، وتفادي الأخطاء، وتعزيز فرص النجاح في تنفيذ السياسات العامة.
أما فيما يتعلق باستكمال الاستحقاق الدستوري الخاص بالمجالس المحلية، فإن هذا الملف يحتل أهمية بالغة في بناء منظومة الحكم المحلي، وتعزيز اللامركزية الإدارية، وتحقيق التنمية المتوازنة بين مختلف المحافظات وتمثل المجالس المحلية المنتخبة أحد أعمدة الديمقراطية التشاركية، وتعد حلقة الوصل المباشرة بين المواطن والجهاز التنفيذي، بما يتيح رصد المشكلات على أرض الواقع، واقتراح الحلول المناسبة لها، ومتابعة تنفيذ المشروعات الخدمية والتنموية.
لقد نص الدستور المصري على ضرورة تفعيل الإدارة المحلية، ومنحها صلاحيات أوسع في إدارة شؤونها، بما يسهم في تحسين جودة الخدمات العامة، وتخفيف العبء عن الحكومة المركزية، وتعظيم الاستفادة من الموارد المحلية ومن هنا، فإن الإسراع بإجراء انتخابات المجالس المحلية، وإعادة بناء هذه المؤسسات على أسس حديثة، يمثل خطوة محورية في استكمال بناء مؤسسات الدولة، وترسيخ مبادئ الحكم الرشيد.
كما أن المجالس المحلية تمثل مدرسة سياسية مهمة لإعداد كوادر شبابية قادرة على المشاركة في الحياة العامة، وتولي المسؤولية، وهو ما يتسق مع توجه الدولة نحو تمكين الشباب والمرأة، وإتاحة الفرصة أمامهم للانخراط في العمل العام، واكتساب الخبرات اللازمة لإدارة الشأن المحلي وهذا بدوره يعزز من استدامة العملية الديمقراطية، ويخلق أجيالا جديدة من القيادات القادرة على قيادة مسيرة التنمية في المستقبل.
ولا يمكن فصل هذه التكليفات الثلاثة عن بعضها البعض، إذ تشكل في مجموعها رؤية متكاملة لبناء دولة عصرية، تقوم على أساس المواطنة، وتحترم إرادة المواطنين، وتعتمد على مؤسسات قوية وفاعلة في إدارة شؤونها، المواطنة تضمن وحدة النسيج الوطني، والاهتمام بالرأي العام يعزز من شرعية السياسات العامة، والمجالس المحلية تمثل الأداة التنفيذية لترجمة هذه السياسات إلى واقع ملموس في حياة الناس.
وفي هذا الإطار، تقع على عاتق الحكومة الجديدة مسؤولية جسيمة في تحويل هذه التوجيهات إلى خطط تنفيذية واضحة، وبرامج زمنية محددة، ومؤشرات أداء قابلة للقياس، بما يضمن تحقيق الأهداف المرجوة في أقرب وقت ممكن كما يتطلب الأمر تضافر جهود جميع مؤسسات الدولة، والتعاون الوثيق مع الأحزاب السياسية، ومنظمات المجتمع المدني، ووسائل الإعلام، لضمان نجاح هذه الرؤية الشاملة.
إن المرحلة الراهنة بما تحمله من تحديات إقليمية ودولية واقتصادية، تستوجب العمل بروح الفريق الواحد، وتقديم المصلحة الوطنية العليا على أي اعتبارات أخرى، وهو ما أكد عليه الرئيس في أكثر من مناسبة ومن هنا، فإن التكليفات الرئاسية الأخيرة تمثل خريطة طريق واضحة للحكومة الجديدة، وتضع أمامها مسؤوليات محددة تجاه المواطن والدولة، بما يعزز من فرص تحقيق الاستقرار والتنمية المستدامة.
إن إعلاء قيم المواطنة والمساواة، والاهتمام بالرأي العام، واستكمال الاستحقاق الدستوري للمجالس المحلية، ليست مجرد عناوين عريضة، بل هي محاور أساسية لبناء الجمهورية الجديدة، وصياغة عقد اجتماعي حديث بين الدولة والمواطن وهي رؤية طموحة تستحق الدعم والمساندة من جميع القوى الوطنية، من أجل مستقبل أكثر استقرارا وعدالة وازدهارا لمصر وشعبها.