Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

أبوظبي تفتح نافذة في جدار الحرب الأوكرانية

د. جاسم محمد، باحث في الأمن الدولي والإرهاب ـ بون

د. جاسم محمد، باحث في الأمن الدولي والإرهاب ـ بون

د. جاسم محمد، باحث في الأمن الدولي والإرهاب ـ بون

في ظل حرب أوكرانيا المستمرة واستعصاء الحلول السياسية، برزت محادثات أبوظبي كإشارة لافتة على تحول هادئ في إدارة الصراع، بعيدًا عن منطق الاصطفاف والتصعيد. فبينما لا تزال أوروبا أسيرة خطاب العقوبات والدعم العسكري المفتوح، نجحت دولة الإمارات في ترسيخ نموذج مختلف يقوم على الحياد النشط وفتح قنوات تواصل عملية بين الخصوم.
محادثات أبوظبي، التي جمعت ممثلين عن روسيا وأوكرانيا والولايات المتحدة، لم تسوق بوصفها مفاوضات سلام شاملة، بل كمسار واقعي يركز على ملفات إنسانية وتقنية، أبرزها تبادل الأسرى وبناء إجراءات محدودة لخفض التصعيد.

هذا التواضع في الطموح كان، مصدر قوتها؛ إذ سمح للأطراف بالمشاركة دون كلفة سياسية مرتفعة، في وقت باتت فيه أي تسوية كبرى محفوفة بالمخاطر الداخلية لكل طرف.
الدور الإماراتي هنا لا ينطلق من منافسة القوى الكبرى، بل من سد فجوة واضحة في النظام الدولي. فالإمارات لا تُنظر إليها في موسكو كطرف منحاز، ولا في كييف كوسيط ضاغط لتقديم تنازلات سياسية. هذا التوازن منح أبوظبي هامش حركة أوسع من العواصم الأوروبية، التي فقدت قدرتها على لعب دور الوسيط منذ انخراطها المباشر في دعم أوكرانيا عسكريًا.
في المقابل، تبدو المقاربة الأوروبية، رغم اتساقها القيمي، أقل قدرة على إنتاج اختراق تفاوضي. فدول الاتحاد الأوروبي تربط أي تسوية باستعادة الأراضي الأوكرانية كاملة، ومحاسبة روسيا قانونيًا، وهو ما يجعل الحوار مع موسكو شبه مستحيل في المرحلة الراهنة. كما أن استمرار الرهان الأوروبي على الحسم العسكري يتجاهل مؤشرات التعب الاستراتيجي، سواء في الرأي العام الأوروبي أو في القدرة الاقتصادية على تحمّل حرب طويلة.
اللافت أن هذا المسار التفاوضي غير التقليدي يتقاطع مع تحول أوسع في السياسة الأمريكية، خاصة في ظل إدارة ترامب، التي تظهر براجماتية أعلى تجاه إنهاء الحرب وتقليص الانخراط طويل الأمد. هذا التباين بين واشنطن وبروكسل يفتح المجال أمام وسطاء جدد، من بينهم الإمارات، للعب أدوار أكثر تأثيرًا في إدارة الصراع.
لا تمثّل محادثات أبوظبي بديلًا عن المسار الأوروبي أو الأممي، لكنها تذكير مهم بأن إدارة الأزمات لا تمر دائما عبر العواصم الكبرى. وفي حرب معقّدة مثل أوكرانيا، قد يكون الحفاظ على قنوات الحوار، ولو بحدّها الأدنى، خطوة استراتيجية لا تقل أهمية عن أي انتصار عسكري مؤجّل.

المزيد