الضربات الأمريكية ـالإسرائيلية على إيران يوم الأول من مارس 2026 لم تشعل فقط جبهة جديدة في الشرق الأوسط، بل فتحت في ألمانيا نقاشاً سياسياً حاداً يعكس عمق الانقسام حول كيفية التعامل مع طهران. فبرلين، بوصفها القوة الاقتصادية الأكبر في أوروبا، تجد نفسها مجدداً أمام معادلة معقدة: الالتزام بأمن إسرائيل، والدفاع عن النظام الدولي، وتفادي الانجرار إلى تصعيد قد يهدد أمنها الداخلي ومصالحها الاستراتيجية.
داخل المعسكر المحافظ، بدت المواقف أكثر وضوحاً، شخصيات بارزة في حزب الاتحاد الديمقراطي المسيحي اعتبرت الضربة مبررة، بل ضرورية، في ضوء ما تصفه بانتهاكات إيران المتكررة للاتفاق النووي ودعمها لجماعات مسلحة في المنطقة. هذا التيار يرى أن منع طهران من امتلاك سلاح نووي أولوية أمنية لا تحتمل التأجيل، وأن الردع العسكري المحدود قد يكون السبيل الوحيد لإيصال رسالة حاسمة للنظام الإيراني.
في المقابل، اتسم موقف الحزب الاشتراكي الديمقراطي بالحذر، مع وصف التطورات بأنها مقلقة، في إشارة إلى مخاوف من توسع رقعة الصراع. أما حزب البديل من أجل ألمانيا فركز على البعد الداخلي، مطالباً بتشديد الإجراءات الأمنية ومنع أي موجات لجوء محتملة، ما يعكس توظيفاً للأزمة في سياق الجدل حول الهجرة والأمن.
الانقسام كان أكثر حدة لدى الأحزاب ذات الخلفية اليسارية، فقد انتقد حزب اليسار الهجمات بشدة، معتبراً إياها انتهاكاً للقانون الدولي وخطوة قد تشعل حرباً واسعة النطاق. وذهبت سارة فاغنكنيشت، مؤسسة تحالف سارة فاغنكنيشت، إلى حد مطالبة الحكومة الألمانية بإدانة واضحة للهجوم والدفع نحو خفض التصعيد.
في المقابل، عبّر ممثلون عن تحالف الخضر عن أملهم في أن تكون المواجهة قصيرة، في محاولة للجمع بين دعم أمن إسرائيل والتحذير من الانزلاق إلى حرب طويلة.
الحكومة الاتحادية، من جهتها، اختارت خطاباً حذراً، حيث أكدت أنها أُبلغت مسبقاً بالعملية، وأنها تراقب الوضع بتنسيق وثيق مع الشركاء الأوروبيين. كما شددت رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين على أولوية السلامة النووية ومنع تقويض نظام عدم الانتشار. هذا الموقف يعكس إدراكاً بأن أي تصعيد قد يطال مباشرة الأمن الأوروبي، سواء عبر تهديدات إرهابية محتملة أو اضطرابات في أسواق الطاقة.
تكشف ردود الفعل الألمانية أن القضية الإيرانية لم تعد شأناً خارجياً بعيداً، بل أصبحت جزءاً من النقاش الداخلي حول الأمن والهجرة والدور الدولي لألمانيا. التحدي أمام برلين اليوم ليس فقط كيفية التعامل مع طهران، بل كيفية الحفاظ على تماسك موقفها الداخلي والأوروبي في آن واحد. ففي عالم يتجه نحو مزيد من الاستقطاب، قد يكون أخطر ما تواجهه ألمانيا ليس الصراع نفسه، بل الانقسام حوله.