Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

توازنات على صفيح ساخن

اللواء د. رضا فرحات محافظ الاسكندرية الأسبق وأستاذ العلوم السياسية

اللواء د. رضا فرحات

اللواء د. رضا فرحات

تشهد منطقة الشرق الأوسط لحظة فارقة في تاريخها الحديث، تتسم بتشابك غير مسبوق في التحديات السياسية والعسكرية والاقتصادية، بما يجعلها تقف على أعتاب مرحلة حرجة تتطلب إدارة استراتيجية دقيقة ورؤية شاملة تتجاوز منطق ردود الأفعال إلى منطق التخطيط الاستباقي وإدارة المخاطر.

إن التصعيد العسكري المتبادل بين قوى إقليمية ودولية، وعلى رأسها التصعيد العسكري بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة أخرى، لا يمكن النظر إليه باعتباره حدثا عابرا أو أزمة مؤقتة، بل هو تعبير عن إعادة تشكيل لموازين القوى في الإقليم وهذه التحولات تفرض معادلات جديدة للأمن الإقليمي، وتفتح الباب أمام سيناريوهات متعددة، تتراوح بين الاحتواء الحذر والتوسع غير المحسوب للصراع.

الخطورة لا تكمن فقط في احتمالات المواجهة العسكرية المباشرة، وإنما في التداعيات غير المباشرة التي تمس استقرار الدول الوطنية واقتصاداتها، فأسواق الطاقة شديدة الحساسية لأي اضطراب في الخليج، وسلاسل الإمداد العالمية ما زالت تعاني من ارتدادات أزمات متتالية، كما أن أسواق المال تتفاعل سريعًا مع أي مؤشرات تصعيد، ومن ثم، فإن أي انفلات في مسار الأحداث قد يؤدي إلى موجات تضخم جديدة، وضغوط على العملات الوطنية، وارتفاع في أسعار السلع الاستراتيجية، وهو ما يضع عبئا إضافيا على الحكومات والمجتمعات.

إلى جانب البعد الاقتصادي، يبرز البعد الجيوسياسي المرتبط بتراجع مركزية بعض القوى التقليدية وصعود أدوار إقليمية تسعى لملء الفراغ، هذا المشهد يعيد إنتاج أنماط من الاستقطاب الحاد، ويجعل الإقليم ساحة تنافس مفتوح بين مشاريع سياسية متباينة، بعضها يستند إلى أدوات عسكرية مباشرة، وبعضها يوظف أدوات النفوذ غير التقليدية، من حروب معلوماتية وضغوط اقتصادية وتحالفات متغيرة.

في مثل هذه البيئات المضطربة، يصبح مفهوم “الإدارة الاستراتيجية” ضرورة وجودية للدول، لا ترفا فكريا، الإدارة الاستراتيجية تعني القدرة على قراءة المشهد الكلي، وتقدير الموقف بصورة علمية، وبناء سيناريوهات متعددة، والاستعداد لكل الاحتمالات، مع الحفاظ على ثوابت الأمن القومي والمصالح الحيوية، وهي أيضا تعني تحقيق توازن دقيق بين متطلبات الردع العسكري من جهة، وأولويات التنمية والاستقرار الداخلي من جهة أخرى.

إن الدولة التي تنجح في هذه المرحلة هي تلك التي تدير التهديدات دون أن تنجر إلى صراعات مفتوحة، وتحصن جبهتها الداخلية عبر تعزيز التماسك المجتمعي، وتدعيم مؤسساتها الاقتصادية، وتطوير قدراتها الدفاعية بصورة مدروسة، كما أن الانفتاح الدبلوماسي وتوسيع دوائر الشراكة يمثلان عنصرين أساسيين في تقليل كلفة التوترات، ومنع تحول الأزمات إلى صدامات شاملة.

ولا يمكن إغفال أن التحولات الراهنة قد تحمل في طياتها فرصا، إذا ما أحسن توظيفها فإعادة تشكيل التحالفات قد تتيح للدول المتوازنة أن تعزز موقعها التفاوضي، وأن تلعب أدوارا وسيطة تسهم في تخفيف حدة الصراعات كذلك فإن تنويع مصادر الطاقة والتوجه نحو اقتصاد أكثر مرونة يمثلان استجابة استراتيجية طويلة المدى لتحولات البيئة الإقليمية والدولية.

إن الشرق الأوسط اليوم لا يحتمل المغامرات غير المحسوبة، ولا الشعارات الانفعالية، بل يحتاج إلى عقل بارد، وحسابات دقيقة، وإرادة سياسية واعية تدرك أن الحفاظ على الدولة الوطنية واستقرارها هو الأولوية القصوى والتاريخ يؤكد أن الفترات الانتقالية، مهما بدت مضطربة، يمكن إدارتها بنجاح إذا توافرت الرؤية والقدرة على التكيف.

ختاما، المرحلة الراهنة تفرض على جميع الفاعلين في الإقليم تغليب منطق الدولة على منطق الميليشيا، ومنطق المصالح المشتركة على منطق الصدام الصفري، إنها لحظة اختبار حقيقية لمدى نضج النخب السياسية وقدرتها على إدارة التوازنات المعقدة، وصياغة مستقبل أكثر استقرارا لشعوب المنطقة، والرهان في النهاية ليس فقط على تجنب الحرب، بل على بناء نظام إقليمي أكثر اتزانا واستدامة.

المزيد