لو حاولنا أن نقرأ بهدوء ما يجري في المنطقة الآن، سنكتشف أننا أمام لحظة إقليمية شديدة التعقيد، التوترات العسكرية تتصاعد، الأزمات السياسية تتشابك، والاقتصاد العالمي نفسه يمر بحالة عدم يقين غير مسبوقة و في مثل هذه اللحظات يصبح السؤال المهم: من هي الدول القادرة على التحرك بفاعلية، والتحدث مع جميع الأطراف، ومحاولة منع الأزمات من التحول إلى انفجارات كبرى؟
هنا تحديدا يظهر الدور المصري بوضوح، فتحركات الرئيس عبد الفتاح السيسي خلال الفترة الأخيرة ليست مجرد نشاط دبلوماسي تقليدي أو لقاءات بروتوكولية و إذا نظرنا إليها في سياقها الأوسع سنجد أنها تعكس إدراكا عميقا لطبيعة اللحظة التي تمر بها المنطقة، وتعكس أيضًا وزن مصر الحقيقي في معادلات السياسة الإقليمية.
مصر تاريخيا ليست دولة هامشية في الشرق الأوسط، موقعها الجغرافي، وثقلها ودورها السياسي عبر عقود طويلة، كلها عوامل جعلتها دائما طرفا أساسيا في أي معادلة تخص استقرار المنطقة لكن ما يلفت الانتباه اليوم هو أن القاهرة تحاول توظيف هذا الثقل بطريقة عقلانية ومتوازنة، بحيث تحافظ على مصالحها الوطنية وفي الوقت نفسه تساهم في منع المنطقة من الانزلاق إلى مزيد من الفوضى.
إذا تأملنا طبيعة التحركات المصرية سنجد أنها تقوم على فكرة بسيطة لكنها شديدة الأهمية: الحفاظ على التوازن، مصر تتحدث مع الجميع تقريبا ، لديها علاقات قوية مع الدول العربية، وتواصل مستمر مع القوى الدولية الكبرى، وحضور متزايد في إفريقيا، إلى جانب دورها التقليدي في ملفات الشرق الأوسط المعقدة و هذه القدرة على التواصل مع أطراف مختلفة ليست أمرا عابرا، بل هي عنصر قوة حقيقي في السياسة الدولية.
في عالم السياسة، الوسيط الحقيقي ليس هو من يتحدث بصوت مرتفع، بل من يستطيع أن يجلس مع جميع الأطراف ويحتفظ بثقتهم في الوقت نفسه، وهذه واحدة من أهم نقاط القوة في الدبلوماسية المصرية وهناك أيضا بعد آخر مهم في قراءة التحركات المصرية، وهو إدراك القاهرة أن أمنها القومي لا ينفصل عن استقرار محيطها الإقليمي، ولا تنظر مصر إلى الأزمات المحيطة بها باعتبارها مشكلات بعيدة، بل باعتبارها ملفات قد تتحول بسرعة إلى تهديد مباشر إذا خرجت الأمور عن السيطرة.
ولهذا السبب نلاحظ أن السياسة المصرية تميل دائما إلى احتواء الأزمات مبكرا، ومحاولة تخفيف حدة التوتر قبل أن يتحول إلى صراع واسع، هذه المقاربة قد تبدو للبعض حذرة أكثر من اللازم، لكنها في الحقيقة تعكس خبرة سياسية تراكمت عبر عقود طويلة من التعامل مع تعقيدات المنطقة، ولا يمكن فهم هذا الدور المصري دون النظر أيضا إلى التحولات التي شهدتها الدولة خلال السنوات الماضية، فالدبلوماسية الفاعلة تحتاج إلى دولة مستقرة من الداخل، تمتلك مؤسسات قوية وقدرة اقتصادية وعسكرية تسمح لها بالحركة بثقة على الساحة الدولية.
خلال العقد الأخير حاولت مصر إعادة بناء الكثير من عناصر قوتها الشاملة، تطوير البنية التحتية، تحديث قدرات القوات المسلحة، توسيع شبكة العلاقات الاقتصادية والدبلوماسية، كلها خطوات ساهمت في تعزيز قدرة الدولة على التأثير في محيطها الإقليمي، بمعنى آخر، التحرك الخارجي لا يحدث في فراغ، هو امتداد طبيعي لقوة الدولة واستقرارها الداخلي ومن المهم أيضا أن ندرك أن العالم نفسه يتغير بسرعةء النظام الدولي لم يعد كما كان قبل عقدين أو ثلاثة، موازين القوى تتحرك، والتحالفات لم تعد ثابتة، وهناك تنافس متزايد بين القوى الكبرى على النفوذ في مناطق مختلفة من العالم، ومن بينها الشرق الأوسط.
في مثل هذا المشهد المتغير، تصبح قدرة الدول على المناورة السياسية والدبلوماسية مسألة حيوية ومصر تدير علاقاتها الخارجية بقدر من التوازن يسمح لها بالحفاظ على استقلال قرارها وفي الوقت نفسه الاستفادة من علاقاتها المتعددة، وما نراه اليوم من تحركات للرئيس السيسي يعكس هذا النهج بوضوح حيث تتحرك مصرذ في أكثر من اتجاه، تفتح قنوات للحوار، وتدعم جهود التهدئة، وتسعى إلى بناء شراكات اقتصادية وسياسية جديدة.
هذه ليست مجرد سياسة خارجية نشطة، بل رؤية أوسع لدور مصر في المنطقة، فالقاهرة تدرك أن استقرار الشرق الأوسط ليس مسألة تخص دولة واحدة فقط، بل هو نتيجة توازن دقيق بين عدة قوى إقليمية ودولية ، وفي هذا التوازن تحاول مصر أن تلعب دور الدولة التي تدفع نحو الاستقرار لا نحو التصعيد، ونحو الحلول السياسية لا المواجهات المفتوحة.
ربما لا تحل هذه المقاربة كل الأزمات، وربما لا تنجح دائما في منع التوترات من التصاعد، لكن وجود دولة بحجم مصر تتحرك بهذا الاتجاه يظل عامل توازن مهم في منطقة تعاني أصلا من نقص شديد في الاستقرار.
لهذا يمكن القول ببساطة إن التحركات التي يقودها الرئيس السيسي اليوم ليست مجرد تحركات دبلوماسية عادية، بل هي تعبير واضح عن ثقل مصر الدولي، وعن استمرار دورها كأحد أهم أعمدة الاستقرار في الشرق الأوسط، والتاريخ يقول إن المنطقة، كلما اشتدت أزماتها، عادت مرة أخرى لتكتشف حقيقة قديمة: أن استقرار الشرق الأوسط يظل مرتبطا إلى حد كبير بدور مصر وقدرتها على التحرك بحكمة واتزان.