خلال الأحداث العالمية التي جرت خلال الأعوام الماضية حتي يومنا هذا، بات العالم يدرك أن الحكومة المصرية تمتلك موهبة نادرة للغاية، موهبة لا تتوفر في كثير من حكومات الكوكب، وهي الإحساس المُرهف بالأحداث العالمية.
فبينما تحتاج بعض الدول والحكومات إلى سنوات معدودة لتشعر بتداعيات الحروب والأزمات، إلا أن حكومتنا يكفيها بِضعة أيام فقط لتشعر وتتأثر – وربما بِضع ساعات – حتى تتأثر بشدة، وكأنها كانت في قلب المعركة لا على بعد آلاف الكيلومترات منها.
فعلي سبيل المثال الحرب الروسية الأوكرانية، والتي تدور رحاها في شرق أوروبا، أثرت في مصر تأثيرًا بالغًا، ربما أكثر مما أثرت في بعض الدول المجاورة لميدان القتال نفسه، فبعد اندلاعها بقليل، اكتشف المواطن المصري أن أسعار الوقود ارتفعت، وتبعها ارتفاع في الكهرباء، ثم لحقت بهما السلع الأساسية من خضار ولحوم ودواجن. وهنا أدرك المصريون أن العالم قرية صغيرة فعلًا، لكن يبدو أن القرية كلها تقع داخل جيب المواطن المصري.
ثم جاءت حرب غزة، فاهتزت الأسواق مرة أخرى، وكأن الصواريخ التي تسقط هناك تصدر موجات ارتدادية تصل مباشرة إلى أسعار الطماطم والبطاطس في الأسواق المصرية، بكافة المحافظات والأحياء والقري، أما المواطن، فظل يحاول فهم العلاقة الفيزيائية المعقدة بين قذيفة في غزة وسعر كيلو البصل في حيه الشعبي.
ولم يكد المواطن يلتقط أنفاسه حتى جاءت التوترات والحروب الجديدة في العالم، لتتحرك معها أسعار الوقود مجددًا، والحقيقة أن حكومة الدكتور مصطفى مدبولي أثبتت قدرة خارقة على الاستجابة السريعة، فقد تمكنت خلال عامين فقط من تحريك أسعار الوقود نحو ست مرات، في استجابة إنسانية راقية لما يمر به العالم من أزمات.
والأمر اللافت للنظر أن آخر هذه الزيادات جاءت بعد أسبوعين فقط من اندلاع التوترات الدولية الأخيرة، وهو ما يعكس درجة الحساسية العالية التي تتمتع بها حكومة الدكتور مدبولي تجاه ما يحدث حولها، فبينما قد تتأخر بعض الحكومات في اتخاذ قراراتها، لا تستطيع حكومتنا الصبر طويلًا، لأن إحساسها المرهف بالأحداث العالمية لا يسمح لها بالانتظار.
ولو استمر الأمر على هذا النحو، فقد يصبح من الطبيعي أن يستيقظ المواطن ذات صباح ليجد الأسعار قد ارتفعت بسبب إعصار في المحيط الهادئ، أو بسبب توتر سياسي في دولة لا يعرف أحد موقعها على الخريطة، فالحكومة المصرية، بحسها المرهف، لن تستطيع تجاهل معاناة العالم، حتى لو كانت تلك المعاناة بعيدة آلاف الأميال.
وبينما تتحمل الحكومة عبء هذا الإحساس المرهف، يتحمل المواطن بدوره عبء الفواتير الجديدة والأسعار المرتفعة، في علاقة فريدة تؤكد أن الحكومة تشعر، والمواطن يدفع.
وفي النهاية، ربما ينبغي الاعتراف بأن مصر أصبحت الدولة الأكثر تأثرًا بالأحداث العالمية، ليس لأنها الأقرب جغرافيًا إلى مناطق الصراع، بل لأنها ببساطة تمتلك حكومة ذات قلب مُرهف وحساس للغاية، يتألم لأي أزمة في العالم، حتى لو كان هذا الألم يُترجم دائمًا في صورة زيادة جديدة في الأسعار.