في لحظة دقيقة من عمر المنطقة، حيث تتشابك التحديات وتتعاظم المخاطر، تبرز مصر بوصفها الدولة التي تدرك طبيعة دورها وحدود مسؤوليتها، فلا تتراجع ولا تتردد، بل تتحرك بثبات وثقة لحماية الأمن العربي، وفي القلب منه أمن الخليج العربي، هذا الدور ليس وليد اللحظة بل هو امتداد طبيعي لتاريخ طويل من الالتزام، ورؤية سياسية تعتبر أن استقرار الخليج هو امتداد مباشر لاستقرار الدولة المصرية.
من هذا المنطلق، لم تنظر مصر يوما إلى أمن الخليج باعتباره شأنا بعيدا، بل تعاملت معه باعتباره جزءا أصيلا من منظومة أمنها القومي ولذلك، كان حضورها دائما واضحا، وموقفها ثابتا، ورسالتها متكررة لا لبس فيها: أن حماية الخليج هي حماية لمصر، وأن استقراره هو ركيزة لاستقرار المنطقة بأكملها و هذا الفهم العميق هو الذي حدد مسار التحرك المصري، وهو الذي منح هذا الدور مصداقيته واستمراريته.
وعبر سنوات مضت، ومع كل أزمة مرت بها المنطقة، كانت مصر تثبت أنها الطرف القادر على الفعل، لا الاكتفاء بالمراقبة كانت تتحرك سياسيا لتقريب وجهات النظر، وتدفع نحو الحلول التي تحافظ على تماسك الدول وتمنع انهيارها، و لم تكن تسعى إلى تصعيد، ولم تكن تقبل بالفوضى، بل كانت دائما تميل إلى الاستقرار، وتعمل من أجله، وتدافع عنه باعتباره الخيار الوحيد القادر على حماية الشعوب ومقدراتها.
هذا الحضور المصري لم يكن مجرد تحرك دبلوماسي، بل كان تعبيرا عن قوة دولة تمتلك رؤية، وتعرف كيف تستخدم أدواتها فمصر، بما لديها من ثقل سياسي وخبرة تاريخية، استطاعت أن تكون صوتا للعقل في أوقات التوتر، وأن تطرح بدائل واقعية عندما تضيق الخيارات و كانت تدرك أن الأزمات لا تحل بالشعارات، بل بالإرادة، ولا تدار بالانفعال، بل بالحسابات الدقيقة.
وفي كل مرة كانت المنطقة تقترب فيها من حافة التصعيد، كانت مصر تعود لتؤكد نفس المعادلة: لا بديل عن التهدئة، ولا طريق إلا الاستقرار، ولا خيار سوى الحفاظ على الدولة الوطنية، هذا التكرار لم يكن تكرارا عابرا، بل كان تثبيتا لمبدأ، وترسيخا لقناعة، وإرسالا لرسالة واضحة بأن الأمن لا يتحقق إلا عبر التوازن، ولا يصان إلا بوحدة الموقف.
إن الثقة في الدور المصري لم تأت من فراغ، بل جاءت نتيجة مواقف متراكمة أثبتت أن هذه الدولة قادرة على تحمل المسؤولية فحين تتحدث مصر، فإنها تتحدث من موقع الفعل، وحين تتحرك، فإنها تتحرك وفق رؤية شاملة لا تقتصر على لحظة آنية، بل تمتد إلى ما بعدها، هذا ما جعلها شريكا موثوقا، وقوة يعتد بها في معادلات المنطقة.
ولا يمكن فصل هذا الدور عن القيادة السياسية التي أدارت هذا الملف بوعي وإدراك لطبيعة المرحلة فقد حرصت القيادة على أن تكون مصر دائما في موقع المبادرة، لا رد الفعل، وأن تبني علاقاتها على أساس من الاحترام المتبادل والمصالح المشتركة و هذا النهج عزز من مكانة الدولة، وفتح أمامها مساحات أوسع للحركة، وجعل تأثيرها أكثر فاعلية.
إن الحديث عن مصر هنا ليس حديثا عن دولة عادية، بل عن دولة تعرف قيمة الاستقرار، وتدرك تكلفة الفوضى، وتفهم أن الحفاظ على التوازن في المنطقة ليس رفاهية، بل ضرورة وجودية ولذلك، فإن تحركها في اتجاه دعم أمن الخليج يأتي دائما محكوما بهذه القناعة، ومدفوعا بهذا الإدراك.
وفي ظل التحديات الراهنة، يتأكد أن هذا الدور سيظل مستمرا، بل وربما يتعاظم فالمخاطر لم تعد تقليدية، والتهديدات لم تعد واضحة الحدود، ما يتطلب حضورا دائما، واستعدادا مستمرا، وقدرة على التحرك في توقيتات دقيقة ومصر، بما تمتلكه من خبرة وإمكانات، قادرة على أن تواصل هذا الدور، وأن تظل عنصر توازن رئيسي في معادلة الأمن الإقليمي.
إن الرسالة التي تكررها مصر، قولا وفعلا، هي أن الأمن العربي كل لا يتجزأ، وأن الحفاظ عليه مسؤولية مشتركة، لكنها مسؤولية لا تتخلى عنها تكررها في مواقفها، وتكررها في تحركاتها، وتكررها في رؤيتها للمستقبل وهذا التكرار، بقدر ما يحمل من وضوح، يعكس إصرارا لا يتغير، وثباتا لا يتبدل.
وفي النهاية، يبقى الدور المصري في دعم أمن الخليج العربي حقيقة ثابتة لا تقبل التشكيك، ومسارا مستمرا لا يعرف التوقف، هو دور يستند إلى التاريخ، ويتحرك في الحاضر، ويستهدف المستقبل وهو في جوهره تعبير عن دولة تعرف نفسها، وتثق في قدراتها، وتتحمل مسؤوليتها كاملة، دون تردد أو حسابات ضيقة ومن هنا، فإن مصر ستظل دائما حاضرة، وستظل دائما فاعلة، وستظل دائما قادرة على أن تكون صمام أمان للاستقرار في محيطها العربي.