Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

بين غطرسة الكنيست وصمود الأسرى: رسالة يقين من قلب العاصفة

الكنيست وشرعنة القتل.. إلى أين يقود هذا المسار؟

الدكتور رضا فرحات

الدكتور رضا فرحات

في لحظة تبدو فيها المنطقة على حافة انفجار جديد، يخرج من قلب الكنيست الإسرائيلي قانون يحمل في طياته ما هو أخطر من مجرد نص تشريعي؛ قانون يعيد تعريف الصراع، ويكشف عن تحول عميق في العقل السياسي الإسرائيلي، من إدارة الصراع إلى تصفيته، ومن محاولة الاحتواء إلى شرعنة القتل.

إن قانون إعدام الأسرى الفلسطينيين هو إعلان صريح بأن المرحلة المقبلة ستدار بمنطق أكثر قسوة، حيث تتحول النصوص القانونية إلى أدوات مباشرة في معركة مفتوحة، لا تخفي أهدافها و هنا، لا يتعلق الأمر بعقوبة جنائية بقدر ما هو رسالة سياسية مركبة، موجهة إلى الداخل الإسرائيلي أولا، لتأكيد القبضة الصلبة، وإلى الفلسطينيين ثانيا، لتكريس واقع جديد عنوانه أن الحياة نفسها باتت رهينة قرار قضائي مسيس.

في المشهد، تتداخل السياسة بالقانون، ويتراجع الخط الفاصل بين العدالة والانتقام، فحين يصاغ قانون بهذه الحساسية في سياق صراع طويل ومعقد، فإنه لا يقرأ بمعزل عن البيئة التي أنتجته، بيئة يغلب عليها صعود التيارات اليمينية المتشددة، وتراجع الأصوات التي كانت تتحدث عن تسويات أو حلول سياسية ومع هذا التحول، تصبح القوانين انعكاسا مباشرا لمزاج سياسي يميل إلى الحسم، حتى لو كان الثمن مزيدا من الدماء.

ولا يمكن تجاهل أن هذا التشريع يأتي في توقيت بالغ الدلالة، حيث تتصاعد حدة التوتر، وتتزايد الضغوط الداخلية على الحكومة الإسرائيلية، ما يدفعها إلى البحث عن أدوات جديدة لإثبات السيطرة لكن هذه الأدوات، بدلا من أن تحقق الاستقرار، تبدو وكأنها تفتح أبوابا جديدة للفوضى، فالإعدام، في سياق الاحتلال، لا ينظر إليه كحكم قضائي بقدر ما يفسر كفعل سياسي، يعيد إنتاج الصراع ويغذيه.

المعادلة هنا معقدة، لكنها واضحة في نتائجها؛ كل خطوة نحو التصعيد تقابلها ردود فعل أكثر حدة، وكل محاولة لفرض واقع بالقوة تنتج واقعا أكثر هشاشة، ومع وجود آلاف الأسرى الفلسطينيين داخل السجون، فإن هذا القانون لا يبقى حبرا على ورق، بل يتحول إلى تهديد مباشر، يضع مصير هؤلاء على حافة الخطر، ويحول السجون إلى ساحات انتظار لقرارات قد تكون نهائية.

في الخلفية، يقف المجتمع الدولي أمام اختبار جديد، بيانات القلق والإدانة لم تعد كافية في مواجهة تشريعات تحمل هذا القدر من الخطورة، خاصة أنها لا تمس فقط طرفا بعينه، بل تمس منظومة كاملة من القواعد التي تم الاتفاق عليها لضبط سلوك الدول في أوقات النزاعات وحين يتم تجاوز هذه القواعد بهذا الشكل العلني، فإن الرسالة لا تتوقف عند حدود الحالة الفلسطينية، بل تمتد لتطال كل صراع مشابه حول العالم.

ما يحدث الآن ليس مجرد تطور عابر، بل لحظة فارقة قد تعيد تشكيل الكثير من المعادلات فالقانون، يغلق نوافذ الأمل في أي مسار سياسي، ويرسخ قناعة بأن الحلول باتت تكتب بلغة القوة فقط وهذه اللغة، كما أثبتت تجارب عديدة، لا تنهي الصراعات، بل تطيل أمدها وتعمق جراحها.

وفي ظل هذا المشهد، تبدو المنطقة وكأنها تدفع دفعا نحو مرحلة أكثر تعقيدا، حيث تتراجع فرص التهدئة، وتتصاعد احتمالات الانفجار ومع كل يوم يمر دون تحرك حقيقي لاحتواء هذا التصعيد، يزداد الشعور بأن العالم يقف متفرجا على مسار يتجه بثبات نحو مزيد من العنف.

هكذا، لا يعود السؤال فقط عن قانون جديد، بل عن مستقبل صراع يعاد تشكيله أمام أعين الجميع، وعن حدود ما يمكن أن يتحمله الإقليم من تحولات، وعن قدرة النظام الدولي على الصمود أمام اختبارات من هذا النوع وبين كل هذه الأسئلة، يبقى الثابت الوحيد أن القرارات التي تبنى على القوة وحدها، تظل عاجزة عن صناعة سلام حقيقي.

إن مشروع قانون الإعدام لن يكون إلا شهادة وفاة أخلاقية للكيان، وشهادة حياة متجددة للقضية الفلسطينية ويؤكد أن الدماء التي قد تسفك لن تذهب هدرا، بل ستكون وقودا للمرحلة القادمة.

المزيد