Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

أيام قليلة على حافة الدوائر المفرغة: هل تنجو الهدنة من فخ التفاوض؟

الدكتور رضا فرحات

الدكتور رضا فرحات

مع العد التنازلي الذي لم يتبق منه سوى ثمانية أيام بالضبط على انتهاء مهلة وقف إطلاق النار الحالي بين أمريكا وإيران ، تدخل المنطقة مرحلة من الترقب المحموم الذي يمزج بين الأمل الحذر والقلق الاستراتيجي فبينما تتداول الأوساط الدبلوماسية أنباء عن بحث مسؤولين أمريكيين وإيرانيين عقد جولة مفاوضات مباشرة ثانية قبل فوات الأوان، يتغير المشهد الوسيط بسرعة لافتة؛ فمن باكستان التي اصطدمت مساعيها بالجدار الخرساني للجمود، إلى مصر وتركيا اللتين تراهن عليهما أطراف دولية كقناتين بديلتين أكثر ثقلا إقليميا ودوليا.

لم يكن توسيع دائرة الوساطة لتشمل مسارا مصريا-تركيا مجرد إجراء لوجستي، بل انعكاسا لتعقيد الأزمة ،فباكستان رغم عدم انسحابها الكامل من المشهد و إبقائها الباب مفتوحا لعودة محتملة، واجهت فجوة ثقة هيكلية يصعب على أي وسيط غير مؤسسي اختراقها مما دفع الأطراف الفاعلة إلى البحث عن وسطاء يملكون رصيدا سياسيا أوسع، وقدرة على ممارسة ضغط متوازن يلامس خطوط حمراء مختلفة دون إثارة تصعيد مباشر، مصر بعمقها العربي و الإفريقي وثقلها الدبلوماسي التاريخي، وتركيا بنفوذها الإقليمي وعلاقاتها المتشابكة مع واشنطن، يمثلان معادلة وساطة مركبة قد تكسر العزلة التفاوضية، شريطة ألا تتحول إلى ساحة لتصفية حسابات أو منافسة نفوذ.

وفي خضم هذا التسابق مع الزمن، تبرز روايات متضاربة عن سير المفاوضات السابقة؛ و أن الجانبين كانا قد اقتربا من اتفاق بنسبة 80% في المحادثات الباكستانية، قبل أن تعصف بهما "شروط فنية وسياسية لم تحل" لكن هذا الطرح يصطدم بمعطيات ميدانية وديبلوماسية موثقة، منها ما نقلته الوكالة نفسها عن مصادر إيرانية تصف الأجواء بأنها كانت مشحونة، على حافة الانفجار، وهو ما أكده الجانب الباكستاني رسميا في وقت سابق، و نشر أرقام دقيقة مثل "80%" لا يعكس بالضرورة تقدما جوهريا، بل قد يكون أداة ضغط إعلامي، أو محاولة لاختبار ردود الفعل العامة والأسواق قبل جولة حاسمة، أو حتى غطاءا دبلوماسيا يبرر العودة إلى الطاولة دون الاعتراف بالجمود الكامل.

ما يحدث حاليا على الأرض هو مرحلة دراسة المواعيد والأماكن، وهي خطوة إجرائية ضرورية، لكنها لا تخفي الحقيقة الأعمق: نحن نعيش داخل دوائر مفرغة من التفاوض التكتيكي الذي يغيب عنه حل الإشكالات الاستراتيجية، الهدنة الحالية ليست معاهدة سلام، ولا حتى إطارا لتطبيع العلاقات، بل هي ترتيب أمني مؤقت يتجدد بشروط متغيرة كل بضعة أشهر، وكلما اقتربنا من خط النهاية، تبرز مجددا أسئلة الضمانات، وآليات الرقابة الميدانية، والملفات المتشابكة التي تتجاوز الثنائية الأمريكية الإيرانية لتشمل أبعادا إقليمية وأمنية واقتصادية حساسة.

إن استمرار هذا النمط من "التفاوض ثم التجميد ثم التمديد المشروط" يعكس أزمة ثقة مؤسسية عميقة، وضغوطا داخلية متصاعدة في واشنطن وطهران تجعل أي تنازل يرى داخليا بمثابة خيانة أو ضعف استراتيجي كما أن تعدد الوسطاء دون إطار تنسيقي واضح وآلية موحدة للرسائل قد يخلق تضاربا في التوقعات، ويمنح الأطراف هامشا للمماطلة وإعادة الحسابات، و الحل لا يكمن في مجرد تغيير الطاولة أو استبدال الوسيط، بل في بناء آلية تحقق توازنا بين المصالح الأمنية والاقتصادية، مع ضمانات تنفيذية قابلة للتحقق الدولي دون إذلال للطرفين أو تقويض سيادتهما.

الثمانية أيام القادمة لن تكون مجرد سباق مع عقارب الساعة، بل اختبارا حقيقيا لنضج الدبلوماسية الدولية في المنطقة وقدرة الأطراف على تجاوز ردود الفعل العاطفية والمصالح قصيرة الأجل، و إذا استمرت المقاربة التكتيكية القائمة على إدارة الأزمة بدلا من حلها، فستظل الهدنة مجرد استراحة محارب قبل جولة تصعيد جديدة، أما إذا أدركت واشنطن وطهران أن كسر الدائرة المفرغة يتطلب شجاعة سياسية واعترافا بحقيقة أن الأمن الدائم لا يصنع بالترهيب المؤقت، بل بالاتفاقات الواضحة القابلة للاستمرار والرقابة المشتركة، فقد يكون هذا الاجتماع المباشر فرصة نادرة للانتقال من مرحلة البقاء إلى مرحلة الاستقرار والساعة، كما يبدو، لا تمهل من يراهن على الوقت فقط.

المزيد