منذ أيام كنت أسير أعلي كوبري أكتوبر، وكنت مع صديق يملك شركة دعاية وإعلان كبيرة، يملك من خلالها عدد من لافتات الدعاية والشاشات أعلي كوبري أكتوبر، ودار حديث بيننا عن تكلفة هذه اللافتات والشاشات، حيث أكد وقتها أن الحكومة ممثلة في محافظة القاهرة تجني مئات الملايين من هذه اللافتات تحت بند "حق الرؤية" فتعجبت من المصطلح وسألته مامعني هذا المصطلح؟ فأجاب اجابة كانت صادمة بالنسبة لي، أن بند حق الرؤية هو مصطلح قانوني تحصل من خلاله الحكومة علي عشرات الملايين شهرياً مقابل رؤية الاعلانات في الشوارع أمام أعين المواطنين، وفي حالة عدم الدفع يتم الغاء التعاقد وفرض غرامة و"بهدلة" لصاحب شركة الدعاية، تعجبت كثيرا من حق الرؤيا الذي فرضته الحكومة علي المواطن ونصبت نفسها مدافعا عنه بينما تجاهلت عشرات طلبات وقضايا الرؤيا في أروقة المحاكم سوي لأنها بالمصطلح الدارج "مفيش من وراها مصلحة"، ففي هذا الوطن الذي تُدار فيه الأولويات بميزانٍ عجيب، يبدو أن “الرؤية” قد حُسم أمرها… لا باعتبارها حقًا إنسانيًا لطفلٍ يتشوق لملامح أبيه أو أمٍ تنتظر حضن صغيرها، بل باعتبارها بندًا ماليًا لافتةً في سجل الإيرادات كعادة الحكومة في كل قراراتها وخطواتها.
فما إن تعلّق شركة إعلان لافتةً على ناصية شارع أو أعلي كوبري، حتى تهبّ الجهات المختصة يقِظةً، حاسمةً، صارمةً: “هاتوا حقّ الرؤية”، فلا تأجيل، ولا مداولات، ولا استئناف، فالرؤية هنا واضحة، محددة، قابلة للتحصيل الفوري.
أما حين تتعلّق الرؤية بحياة طفل مزّقته الخلافات، وأبٍ أو أمٍ أنهكتهما أروقة المحاكم، فإن الصورة تصبح ضبابية، والقرار مؤجلًا، والعدالة قيد الانتظار.
والسؤال العجيب، كيف صار للوحة إعلانية حقّ رؤيةٍ مُقنّن، بينما طفل من لحمٍ ودمٍ ينتظر إذنًا قضائيًا ليحظى بنصف ساعة من دفءٍ إنساني سواء من أمه أو من أبيه؟ وهل أصبح كل شئ تفعله الحكومة من اصدار تشريعات وقوانين يجب أن يقاس بما هي تربحه وليس بما هي تُقدمه من خدمات للمواطنين.
للأسف إن الحكومة حين تشُمّ رائحة الجنيه تتحوّل إلى عدّاءٍ أولمبي لا يُشقّ له غبار، تقفز فوق التعقيدات، وتتجاوز العقبات، وتصل إلى خط النهاية في زمنٍ قياسي، بينما عندما يتعلّق الأمر بوجعٍ اجتماعيٍ عميق، بمأساة أسرٍ تتآكل في صمت، فإنها ترتدي عباءة الحكيم المتريّث، وتجلس لتدرس، وتُشكّل اللجان التي تنبثق منها لجان، وتؤجل الحسم إلى أجلٍ غير مسمّى، وتتحول “الرؤية” إلي سلعةً تُجبى، لا حقًا يُصان؟
فتتحول العدالة إلي انصاف اللافتات وترك الأطفال للانتظار.
من دقائق علي كوبري أكتوبر أصبح واضحًا أن هناك رؤيتين لا ثالث لهما في حق الرؤية: رؤية تُدرّ المال فتُرى بوضوحٍ حاد، ورؤية تُنقذ طفلًا تُترك في عتمة الإهمال.
الأدهى من ذلك أن المواطن أصبح ضحية بين محور من السياسات، الأولي يجد نفسه ممزقًا بين كفّةٍ تُفرَض عليه الرسوم فيها قسرًا، وكفّةٍ يُترك فيها وحيدًا يصارع نظامًا بطيئًا لا يعبأ بدموع الصغار ولا بانكسار الكبار.
في هذا المقال أحببت أن أوضح أن ما سمعته وما رأيته يؤكد أن ما تريد الحكومة فعله ستفعله ومالا تريد لن يكون، فحق الرؤية بين اللافتة والطفل ماهو إلا مرآة ساخرة لواقعٍ مُربك، حيث تُضاء الشوارع بإعلاناتٍ تُدفع رسومها بانتظام، بينما تنطفئ قلوب صغيرة، لا تجد من يُنير لها طريق الرؤية.
والسؤال الأهم والذي سيظل قائمًا:
هل نحتاج أن نعلّق الأطفال على لافتاتٍ إعلانية كي تحظى “رؤيتهم” بالاهتمام ذاته؟.