في مسرح الأحداث الراهن، لم يكن مضيق هرمز يوما سببا للحرب، ولا حتى هدفا معلنا لأطرافها، غير أن مسار الأحداث أعاد اكتشافه فجأة، ليحوله من ممر مائي استراتيجي صامت إلى بطل درامي يتصدر المشهد وهو تحول مفارق بحق، إذ يبدو أن المضيق فرض نفسه على السردية السياسية والإعلامية غصبا عن المؤلفين والمنتجين والمخرجين الذين ظنوا أنهم يكتبون السيناريو وحدهم، فقط ليجدوا أن الجغرافيا تكتب فصولها الخاصة حين يعجز البشر عن ضبط الإيقاع.
واليوم، بات الحديث عن هرمز عبثيا بامتياز بيانات متضاربة تتدفق من غرف العمليات، ونفي يعقبه تأكيد، وتصريحات تصاغ بعناية فائقة لتستهلك إعلاميا لا لتقرأ جيوسياسيا، والحقيقة، كما هي دأبها في اللحظات الحرجة، تختلف جذريا عن البيانات الصحفية الرسمية، فبينما تتصدر العناوين تصريحات عن إغلاق أو تأمين مطلق، يتحرك المضيق في الخفاء كعقدةٍ جيواستراتيجية لا تحتمل التبسيط الإعلامي، ولا تقبل القراءة الأحادية.
وفي خضم هذا الضباب، أعلن ترامب عن "عملية لتحرير المضيق" بعد إغلاقه، في توقيتٍ درامي، يحمل في طياته كل عناصر الإثارة السياسية: تهديد برد حاسم، ووعود باستعادة السيطرة، وخطاب يخاطب الجمهور قبل أن يخاطب الخصم، لكن السؤال الذي يفرض نفسه بقوة: هل يحرر المضيق بقرار أمريكي ، أم أن "التحرير" هنا مجرد كلمة في قاموس الاستهلاك الإعلامي، تستخدم لتلميع الصورة أكثر مما تستخدم لتغيير الواقع؟
الأمر الأكثر دلالة أن المضيق نفسه أصبح العقبة الوحيدة العالقة في المفاوضات، منذ أن تحولت الحرب إلى مسار تفاوضي، حيث برز هرمز كحجر عثرة لا يمكن تجاوزه، ليس بسبب طبيعة المياه أو عرض الممر، بل لأنه يجسد اختلالا في موازين الرهانات، كل طرف يرى فيه ضمانة لبقائه، أو ورقة للضغط، أو خطا أحمر لا يقبل تجاوزه وهكذا، تحول ممر تجاري عالمي إلى ساحة صراع، حيث تتقاطع الحسابات الأمنية مع المعادلات الاقتصادية، و تتصادم السيادة الوطنية مع حرية الملاحة الدولية.
الواقع أن مضيق هرمز لم يخترع اليوم، ولم يكتشف فجأة إنه شريان نبضته الأسواق العالمية لعقود، وهو اليوم يعود ليذكرنا بأن الجغرافيا لا تهزم بالخطابات، وأن الممرات المائية لا تدار بالتصريحات المؤقتة ما نراه الآن هو فجوة بين التعقيد الاستراتيجي وسذاجة الاستهلاك السياسي، المفاوضات لا تتعثر بسبب غموض النوايا فحسب، بل لأن المضيق يحمل في طياته أسئلة لم تحسم بعد: من يضمن العبور؟ ومن يحمي السفن؟ ومن يتحمل تبعات أي تصعيد، حتى لو كان جزئيا؟
وفي ظل هذه المعادلة، يبدو أن الأطراف جميعها تدرك أن المضيق ليس مجرد نقطة على الخريطة، بل مرآة تعكس هشاشة التوازنات الإقليمية وهو ما يفسر لماذا تتحاشى البيانات الرسمية الخوض في تفاصيله، ولماذا تتحول المفاوضات إلى سجال حول ضمانات غامضة ومراقبات مشتركة فالبطل الذي ظهر فجأة في منتصف القصة لم يأت بقرار بشري، بل بفعل تراكم استراتيجي، وبحتمية جغرافية لا تتفاوض.
إعلان ترامب عن "عملية تحرير" يضفي بعدا جديدا على المشهد، لكنه لا يغير المعادلة الجوهرية: المضيق ليس ساحة تحرر بضربة عسكرية، ولا ورقة تكسب بخطاب ناري، إنه نظام معقد من المصالح المتشابكة، حيث لا ينتصر أحد دون أن يخسر الآخرون، ولا تحسم المعركة دون ثمن باهظ والتاريخ يعلمنا أن الممرات المائية لا تدار بالقوة فحسب، بل بالحكمة والتوازن وفهم عميق لمحدودية القوة ذاتها.
من هنا، يمكن القول إن “مشروع الحرية” لترامب، في مضيق هرمز، يطرح سؤالا أكثر عمقا من كونه يقدم إجابة: هل يمكن للخطاب السياسي أن يعيد تشكيل الجغرافيا السياسية بالقوة الرمزية وحدها؟ أم أن الجغرافيا، بما تحمله من ثقل استراتيجي وتاريخي، تظل قادرة على فرض منطقها على صانعي القرار مهما بلغت قوة الخطاب؟
في النهاية، يبدو أن مضيق هرمز سيظل كما كان دائما: نقطة توازن دقيقة بين الصراع والاستقرار، وبين الخطاب السياسي والواقع الجيوستراتيجي، أما “الحرية” التي يتم الترويج لها ،فقد تجد نصيبا كبيرا من التداول الإعلامي، لكنها ستصطدم على الأرجح بحدود الجغرافيا قبل حدود السياسة وتعيد المضيق إلى مكانه الحقيقي: ليس بطلا دراميا، ولا ساحة للتحرير، بل معادلة استراتيجية تحتاج إلى إدارة واعية، لا إلى توظيف عابر فإن لم نقرأ الجغرافيا كما هي، فستقرأنا هي، ولن ترحم.