Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

الصحفيين والدولة وضياء رشوان.. من يحمي جنود الوعي حين يشيخ أصحاب الأقلام

أحمد سالم رئيس التحرير

أحمد سالم رئيس التحرير

في زحام الأزمات، تبقى الصحافة هي صوت الناس، وعين الدولة التي ترى بها نبض الشارع، ولسان الحقيقة الذي ينقل للمواطن ما يدور داخل مؤسسات الدولة، وينقل للمسؤولين في المقابل هموم المواطن وآلامه وتساؤلاته. فالصحافة والصحفيون لم يكونوا يومًا مجرد ناقلين للأخبار، بل كانوا ولا يزالون أحد أهم أعمدة القوة الناعمة لأي دولة تسعى إلى الاستقرار والوعي وبناء الثقة بين مؤسسات الدولة والمواطنين.
فالصحفي الحقيقي لا يحمل فقط قلمًا أو كاميرا، بل يحمل مسؤولية وطنية وثقافية ومجتمعية بالغة الخطورة، لأنه همزة الوصل الرئيسية بين الشارع ومؤسسات الدولة، وهو المرآة التي تعكس الواقع كما هو، بحلوه ومرّه، وهو كذلك أحد أدوات تشكيل الوعي العام في مواجهة الشائعات والحروب النفسية والاستهداف الخارجي وهو من يكشف من مخططات تحاك ضد الدولة من أصحاب الأجندات الخبيثة.

ومنذ تولي الرئيس عبدالفتاح السيسي مسؤولية الحكم، كان واضحًا حرصه الدائم على الحديث بشفافية أمام الإعلام والصحفيين، وعقد لقاءات معهم بشكل مستمر، وتوضيح التحديات التي تمر بها الدولة المصرية، سواء كانت أزمات اقتصادية عالمية أو ضغوطًا سياسية وإقليمية أو تحديات أمنية غير مسبوقة، كما كان دائم التأكيد على أهمية دور الإعلام في توضيح الحقائق للمواطنين، وحث المؤسسات الإعلامية على استضافة المسؤولين لشرح ما يحدث للرأي العام، لإيمانه الشديد بأن بناء الوعي لا يتم إلا عبر إعلام قوي وصحافة تمتلك القدرة على الوصول إلى الناس وإقناعهم بالحقيقة.
لكن، وعلى الرغم من هذه الأهمية الكبرى التي تمثلها الصحافة للدولة والمجتمع، فإن أوضاع الصحفيين أنفسهم باتت تدعو إلى القلق والحزن، بعدما أصبحت الضغوط المعيشية تطارد أبناء المهنة بصورة غير مسبوقة، حتى وصل الأمر إلى أن بعض الصحفيين الكبار الذين أفنوا أعمارهم داخل المؤسسات القومية والخاصة، يخرجون إلى المعاش برواتب لا تكفي الحد الأدنى من متطلبات الحياة الكريمة ومعاش يقف عاجزاً أمام خدمة صحية أو سد فجوات المأكل والمشرب وخدمات الكهرباء وغيرها.
ولعل آخر ما رصدته وصدمني كان خلال حديث جمعني بأحد كبار الصحفيين، والذي يشغل منصب مدير تحرير بإحدى الصحف القومية، ويستعد للخروج إلى المعاش بعد أسابيع قليلة، حيث فوجئت بأن قيمة معاشه لن تتجاوز ثلاثة آلاف جنيه فقط، وهو رقم يصعب تصديقه إذا ما قورن بحجم سنوات العمل والخبرة والعطاء، خاصة في وقت تتجاوز فيه معاشات بعض أصحاب المهن الأخرى وأصحاب الياقات البيضاء أضعاف هذا الرقم بكثير، فما بالك بأوضاع الصحفيين في الصحف الخاصة والحزبية.
وهنا يبرز السؤال المؤلم: كيف يمكن لمنظومة بحجم وتأثير الصحافة والإعلام أن تستقيم، بينما أوضاع أبنائها المعيشية تتراجع بهذا الشكل؟ وكيف نطالب الصحفي بأن يواصل أداء رسالته في كشف الحقائق والتصدي للشائعات، بينما هو نفسه يئن تحت وطأة الضغوط الاقتصادية والحياتية؟ وهل يمكن للدولة أن تتخلي عن وجود صحافة وإعلام وعن دورهم الذي اعتقد أنه بالغ الأهمية؟ وهل تناسي المسؤولين دور الصحفيين خلال ثورة 30 يونيه، وهل نسي البعض أن هذه المهنة قدمت شهداء خلال أحداث هذه الثورة فقط لإظهار وكشف تطرف الجماعة المحظورة؟ وهل تناست الدولة دور هذه الفئة في إظهار الحقائق للرأي العام سواء المحلي أو الدولي؟ وهل وهل وهل … إلى آخره.
إن الصحفي الذي يقف في الصفوف الأولى لنقل الحقيقة، ويشارك في تشكيل الوعي الوطني، لا يجب أن يشعر في نهاية رحلته المهنية بأنه تُرك وحيدًا في مواجهة أعباء الحياة، فهذه الفئة ليست قليلة التأثير أو محدودة الدور، بل هي من أكثر الفئات تأثيرًا في المجتمع، لأنها ببساطة المرآة التي تعكس كل شيء، وتكشف كل شيء، وتشرح للرأي العام كل شيء، وترك أبنائها مُحتقنون ليس بالهين اليسير.
من الضروري أن تُعيد الدولة النظر في أوضاع الصحفيين، سواء فيما يتعلق بالأجور أو المعاشات أو البدلات، وأن يكون هناك تحرك جاد لاحتواء أبناء هذه المهنة الذين يمثلون أحد أهم خطوط الدفاع عن الوعي والاستقرار داخل المجتمع، خاصة أن الدولة ممثلة في الحكومة لن تقوم إلا بدورها الطبيعي في احتواء أبناء هذا الوطن وهذه المهنة، وتتذكر أن الرئيس عبدالفتاح السيسي بنفسه كان قد أشار في أحد في أحد المؤتمرات إلى أن أى أسرة لا يمكنها العيش بأقل من 10 آلاف جنيه شهريًا.
المسؤولية هنا لا تقع على عاتق المؤسسات الصحفية وحدها، بل تمتد أيضًا إلى الجهات المعنية بتنظيم الملف الإعلامي، وفي مقدمتها وزارة الإعلام، خاصة وأن السيد والماتب الصحفي الكبير ضياء رشوان وزير الإعلام والذي كان نقيبا للصحفيين كان معايشاً لأزمات وأوضاع الأسرة الصحفية عن قرب، ويدرك حجم الأعباء التي يعيشها أبناء المهنة.
إن إنقاذ الصحافة لا يكون فقط بالشعارات أو المؤتمرات، بل يبدأ أولًا بإنقاذ الصحفي نفسه، ومنحه حياة كريمة تليق بمن اختار أن يكون صوت الناس وعين الوطن.

المزيد