في عالم يموج بالاضطرابات الأمنية والتوترات السياسية، لم تعد الرسائل الدبلوماسية التقليدية وحدها كافية للتعبير عن قوة الدول واستقرارها، بل أصبحت الصورة والمشهد والسلوك المباشر أدوات أكثر تأثيرا في تشكيل الانطباعات الدولية ومن هنا، فإن زيارة الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون إلى مدينة الإسكندرية قدمت رسالة سياسية وإنسانية وأمنية شديدة العمق، ربما تفوق في دلالاتها عشرات المؤتمرات والتصريحات الرسمية.
أن يتحرك رئيس دولة كبرى مثل فرنسا وسط شوارع الإسكندرية الشعبية، وأن يسير بين المواطنين بصورة طبيعية، ويجري في شوارع مزدحمة تعج بالحياة اليومية والسيارات والتكاتك والمحال والمارة، فهذا ليس مشهدا عابرا أو لقطة بروتوكولية معدة بعناية داخل منطقة معزولة، وإنما رسالة حقيقية تعكس حجم الثقة في الدولة المصرية وفي قدرتها على فرض الأمن والاستقرار داخل مجتمع مفتوح وحيوي.
المشهد لم يكن مجرد جولة لرئيس أجنبي، بل كان تجسيدا عمليا لفكرة “مصر الآمنة” فالدول لا تقاس فقط بما تمتلكه من جيوش أو إمكانات اقتصادية، وإنما أيضا بقدرتها على توفير بيئة مستقرة تسمح لقادة العالم بالتحرك بحرية واطمئنان وسط المواطنين، و هذه الصورة وحدها تحمل قيمة استراتيجية وإعلامية هائلة، لأنها تصدر للعالم انطباعا مباشرا بأن مصر دولة مستقرة، متماسكة، وآمنة رغم ما يحيط بالإقليم من صراعات وتحديات.
الأمر اللافت أن كثيرا من العواصم الكبرى في العالم باتت تعاني من أزمات أمنية معقدة، تجعل تحرك المسؤولين فيها وسط الشارع أمرًا بالغ الحساسية، وفي العديد من المدن الأوروبية والغربية، تخضع تحركات القادة لإجراءات استثنائية وإغلاقات كاملة للشوارع خشية أي تهديدات محتملة أما أن يظهر رئيس فرنسا بهذا القدر من الارتياح داخل شوارع الإسكندرية، فذلك يعكس بوضوح حجم الاستقرار الذي تنعم به الدولة المصرية، ويؤكد أن ما تحقق خلال السنوات الماضية من جهود أمنية وتنموية لم يكن مجرد شعارات، بل واقعا ملموسا يراه العالم بعينيه.
إن هذا المشهد يكشف عن خصوصية الشخصية المصرية وطبيعة المجتمع المصري الذي يمتلك حالة فريدة من التعايش والتسامح والاحتواء الإنساني، الرئيس الفرنسي لم يتحرك داخل منطقة مغلقة أو معزولة عن المواطنين، بل كان وسط الناس بشكل طبيعي، وهو ما يعكس أيضا صورة الشعب المصري المضياف والمتوازن، القادر على استقبال ضيوفه بروح حضارية راقية تعبر عن عمق التاريخ المصري وقيمه الإنسانية.
ولا يمكن فصل هذه الصورة عن الدور الإقليمي والدولي المتنامي الذي تلعبه مصر في السنوات الأخيرة وأصبحت القاهرة اليوم مركزا رئيسيا للاستقرار السياسي في المنطقة، وصوتا عاقلا في التعامل مع الأزمات الإقليمية والدولية، وهو ما منحها ثقة متزايدة لدى القوى الكبرى ومن الطبيعي أن تنعكس هذه الثقة على طبيعة الزيارات الرسمية وتحركات القادة الأجانب داخل مصر.
الحقيقة أن مشهد ماكرون في شوارع الإسكندرية قدم دعاية سياحية وسياسية لمصر ربما تعجز عن تحقيقها أكبر حملات التسويق الدولية، السائح الأجنبي حين يرى رئيس دولة أوروبية كبرى يتحرك بهذه السهولة والطمأنينة وسط الشارع المصري، فإنه يدرك تلقائيا أن مصر بلد آمن وقادر على استقبال زواره بصورة طبيعية ومستقرة، وهذه الرسائل البصرية أصبحت اليوم من أكثر أدوات التأثير فعالية في تشكيل الرأي العام العالمي.
كما أن الزيارة تؤكد أن مصر استعادت مكانتها كدولة تمتلك ثقلا حقيقيا واحتراما دوليا، وأنها لم تعد فقط دولة محورية في الشرق الأوسط، بل أصبحت نموذجا للاستقرار في منطقة شديدة الاضطراب، وهذا لم يأت من فراغ، وإنما نتيجة رؤية سياسية واضحة وجهود ضخمة بذلتها الدولة المصرية على مدار السنوات الماضية في مكافحة الإرهاب، وتعزيز الأمن، وبناء بنية تحتية حديثة، وتحقيق قدر كبير من التوازن والاستقرار الداخلي.
إن الرسالة الأهم التي خرجت بها هذه الزيارة هي أن مصر، رغم كل التحديات الإقليمية والاقتصادية المحيطة، ما زالت قادرة على أن تقدم نفسها للعالم باعتبارها “واحة الأمن والأمان” وهذه ليست مجرد عبارة إنشائية، وإنما حقيقة تؤكدها الوقائع اليومية والمشاهد الحية التي يراها العالم بنفسه.
لقد نجحت مصر في أن تصنع معادلة صعبة تجمع بين الأمن والاستقرار والانفتاح المجتمعي، وهو ما يجعلها اليوم واحدة من أكثر الدول قدرة على الحفاظ على تماسكها وسط عالم مضطرب ومتغير لذلك مشهد الرئيس الفرنسي في شوارع الإسكندرية لم يكن مجرد لقطة عابرة، بل شهادة دولية جديدة على أن مصر ستظل دائما دولة آمنة مطمئنة، قادرة على حماية حاضرها وصناعة مستقبلها بثقة واقتدار.